حين يمنع الحياء الكلام… فتاة تنزف بصمت أمام والدها | قصة يرويها الدكتور وهج المقطري
قبل يومين، دخلت العيادة فتاة؛ لم تكن تعاني من مرض غامض، بل من حياءٍ قاسٍ منعها من الحديث عن آلامها، ومن فقدان أم، ومن خوفٍ من مصارحة والدها أو حتى الأطباء أمامه. فكان النزيف لغة الجسد حين عجز اللسان.
قبل يومين، دخلت العيادة فتاة في السادسة عشرة من عمرها، شاحبة الوجه، تشكو من تقيؤٍ متكرر للدم منذ عامٍ ونصف. والدها كان بجوارها، يحمل تقارير طبية كثيرة: منظاران للمعدة، خزعات، فحوصات متعددة، وثلاثة كورسات لعلاج جرثومة المعدة، دون أي تحسّن. كلما توقف العلاج، عاد النزيف من جديد.
راجعت التقارير بدقة؛ كل شيء كان شبه طبيعي، عدا تآكلات في غشاء المعدة وأسفل المريء. سألت الفتاة بهدوء: متى تأتي هذه النوبات؟ أجابت بصوت منخفض: “تقريبًا كل شهر… تستمر أيامًا ثم تختفي وتعود”.
كانت تتردد قبل كل كلمة، تنظر إلى والدها وكأنها تستأذنه حتى في الألم.
سألت عن الأم، فجاءت الإجابة صادمة: “توفيت منذ سبع سنوات”. عندها بدأ التشخيص الحقيقي، ليس في المعدة، بل في المساحة الصامتة بين الأب وابنته.
طلبت من الممرضة الحديث معها على انفراد، وبعد دقائق عادت لتقول إن الفتاة تعاني من عسر طمث شديد منذ بداية البلوغ، وتتجاوز ألمها بتناول مسكنات قوية قبل الدورة وأثناءها.
تبيّن لاحقًا أن الفتاة تستخدم كميات كبيرة من مسكنات الألم من فئة NSAIDs، بشكل عشوائي، وأحيانًا على معدة فارغة، بناءً على نصيحة صديقة. لم تكن تعلم أن هذه الأدوية، المتاحة للجميع، قد تسبب تآكلات ونزيفًا في المعدة والمريء.
لم تكن تعاني من مرض غامض، بل من حياءٍ قاسٍ منعها من الحديث عن آلامها، ومن فقدان أم، ومن خوفٍ من مصارحة والدها أو حتى الأطباء أمامه. فكان النزيف لغة الجسد حين عجز اللسان.
عندما أُخبر الأب بالحقيقة، انهار. وضع وجهه بين كفيه وبكى، وقال:
“والله يا دكتور إني أحاول أعوّضهم غياب أمهم، لكن واضح أني قصّرت بحاجات ثانية… فعلًا، الحياة مش أكل وشرب ولبس”.
هنا تنتهي القصة، وتبدأ الرسالة:
اقتربوا من أولادكم أكثر، افتحوا لهم أبواب الكلام قبل أن يفتح الألم أبواب الجسد، فكم من وجعٍ ينزف بصمت… فقط لأن الحياء منع الكلام.
