أقرب من همس
لقاء إعداد وتقديم/ علي صالح باعوضة
مرحبًا بكم في "أقرب من همس"، حيث نصغي لما لا يُقال، ونكتشف الضوء الذي يتسلل بين الكلمات.
نحاول في هذا الحوار أن لا نطرح الأسئلة فقط، بل أن نفتح النوافذ على الداخل… على سيرة الضوء حين يسكن أرواح المبدعين.
ضيفنا الأول شاعرٌ أنيق الحضور، جميل الحرف، ومهندس يعرف كيف يشيّد القصيدة كما يشيّد الجمال بالحجر.
من ردفان الثورة، من أرض الشعر والرجال، يشرّفنا الشاعر / جهاد العبّادي، حاملًا في قلبه دفاتر لم تكتب بعد، وصمتًا ينتظر أن يُقال.
صدر له ديوانان شعريان، أحذهما ورقي باسم :
"ثالث الذبيحين والوطن المنسي" عن اتحاد أدباء وكتاب الجنوب، والآخر إلكتروني باسم:
"قسمة ضيزى" عن دار أركان للنشر.
وما زالت في روحه قوافل من الشعر تفتّش عن مرافئ.
مرحبًا بك يا جهاد، ضيفًا لا نكتفي من الإصغاء إليه.
-في البدء نحب أن تقدم نفسك بالطريقة التي تحب. من هو الشاعر جهاد العبادي؟
جهاد العباي، انبثقت روحي ذات مساءٍ شاحبٍ في قرية الكرب – حالمين، حيث ارتفعت الجبال شاهدة على بداياتي الأولى، وانطلقت هناك رحلة حياةٍ اتّحد فيها الشغف بالتحدّي، والتوق بالمعاناة. أنا ابن أكتوبر المجيد، ذلك الشهر الذي اقترن اسمه بالعنفوان والنضال، فكأنّ ميلاده استلهم من روحي انطلاقته الأولى.
تفتحت عيناي على حروف المعرفة في منبت نشأتي الأولى، فكانت البداية من القرية، والنهاية المؤقتة في أقصى المغرب العربي، حيث حطّت رحالي في الجزائر، أرض المليون شهيد، أكملت دراستي الجامعية هناك، ونهلت من معينها العلمي والثقافي، مُحمَّلًا بوعي التجربة واتساع الأفق، وممتلئًا بالحنين لما لم يكتب بعد.
كإنسان، أستلهم رؤيتي للحياة من إيمانٍ عميق بأن معناها الحقيقي لا يتحقق إلا حين تُعاش بروحٍ مفعمةٍ بالمحبة، وسخيةٍ في العطاء للجميع، فالمعرفة في غياب الإنسانية تظلّ ظلًا باهتًا، والنجاح الذي لا يترك أثرًا نافعًا في حياة الآخرين يفقد جوهره ويغدو صدى بلا حياة. ولذا، أرى أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملك، بل بما يمنح، ولا بقوة الكلمات، بل بصدق الأفعال وعمق الأثر الذي يتركه خلفه.
أكاديميًا، أحمل درجة الماجستير في الأنظمة المضمنة، وقد أنجزت بحمد الله جميع متطلبات نيل درجة الدكتوراه في أنظمة التحكم والبرمجة، ولا يفصلني عنها سوى مناقشة الرسالة العلمية، المقرر عقدها بمشيئة الله خلال الشهر القادم.
أما على الصعيد المهني، فأعمل محاضرًا جامعيًا وباحثًا في مجال أنظمة التحكم، وأتولى حاليًا رئاسة قسم هندسة الميكاترونكس في جامعة العلوم والتكنولوجيا – عدن.
-ماشاء الله، سيرة يُفتخر بها، مليئة بالطموح والكفاح والنجاح.. كيف كانت بداياتك مع الكتابة؟
بدأتُ رحلتي مع الشعر في سنٍ مبكرة، وكانت البوابة الأولى التي دخلتُ منها إلى هذا العالم هي الشعر الشعبي، متأثرًا بما كنت أسمعه من سجالات شعرية بين عمالقة الكلمة، يتقدّمهم الشاعر الكبير ثابت عوض اليهري، الذي ظلّ اسمه محفورًا في وجدان الذائقة الشعبية.
كتبتُ كثيرًا في هذا اللون، وظللت وفيًّا له سنوات طويلة، حتى كاد يصبح لسان حالي الوحيد، بَيد أنّ منعطفًا عميقًا في مطلع سنواتي الجامعية قادني إلى رحاب الشعر العربي الفصيح؛ فانجذبت إليه انجذاب العاشق حتى استحوذ على وجداني بأسره. ومنذ تلك اللحظة، وجدتُ في فضاء القصيدة متنفسًا أرحب للتعبير، فسطّرت نصوصًا تنوعت موضوعاتها، حيث تعانقت فيها العاطفة بالفكرة، والتحمت الذات بالوطن، وامتزج الوجدان بنبض اللغة، فكانت نصوصي مرآةً لوجدانٍ يسكنه الحرف، وينبض بالمعنى.
هل تتذكر أول نص كتبته؟
كانت بدايتي مع الشعر من خلال أبياتٍ شعبية كُتبت بلهجةٍ قروية حادّة، لا أميل إلى استحضارها الآن.
أما في مجال الشعر الفصيح، فقد كانت أولى محاولاتي نصًا يُعبّر عن حال العرب والعروبة، وقد جاءت تلك المحاولة بدافعٍ غير متوقّع؛ إذ وقعتُ مصادفةً على نصٍ لأخي، حيث كان محبًّا للشعر الفصيح، على خلاف ميول ذائقتي آنذاك التي كانت تميل إلى الشعر الشعبي. تأثّرتُ كثيرًا بما كتب، فدفعني ذلك إلى خوض التجربة، وكتابة أول نص فصيحٍ لي. اللافت أنني مضيت في طريق الشعر، أواصل الكتابة والتأمل، بينما توقف أخي عن هذه الرحلة بعد فترة من خضوه غمارها.
- يقال أن الحراك الثقافي خفت وهجه في عدن، ما الأسباب برأيك؟ وكيف يمكن الإرتقاء بعدن ثقافيا؟
نعم، لقد خفّ بريق الأدب وجفّت ينابيع الإبداع، لا سيّما في السنتين أو الثلاث الأخيرة، بعد أن شهدنا حراكًا ثقافيًا وأدبيًا ملموسًا خلال الفترة الممتدة بين 2016 و2020، حين تَألّقت عدن وارتدت ثوب الثقافة رغم ما كانت تعانيه البلاد من ظروف صعبة، ولكن هذا النور لم يلبث أن خمد، ويعود ذلك إلى أسباب متعددة، يأتي في مقدّمها الوضع الاقتصادي المتردّي الذي يثقل كاهل المواطن، ويجعله منشغلًا بكسب لقمة العيش، فتنكسر أمامه بوصلات الإبداع، وتفقد المدينة شبابها الذين تشتّتوا وهاجر كثير منهم، بعدما كانت عدن تجمعهم ذات صباحٍ بهيّ نابض بالأمل والحياة.
ولكي تستعيد عدن مكانتها الثقافية، لا بد من إعادة النظر الجاد في قيمة الثقافة ودورها الحيوي في بناء الشعوب والأمم، ومن ثمّ تفعيل دور مكتب الثقافة، والأندية، والاتحادات الثقافية في هذه المدينة التي كانت يومًا حاضنة للفكر والأدب. وهكذا فقط يمكننا أن نستعيد لعدن وهجها الثقافي الذي لا يموت.
-كلمة توجهها بلسان حال المبدعين الشباب للجهة المسؤولة عن الثقافة في الحكومة..
نرفع الصوت باسم كل مبدع يخطُّ كلماته بالحبر أو ينبض بها من عمق الألم، ونناشد ألا تُطفأ ما تبقى من شموع هذا الوطن المتوقدة، فالكلمة رغم كل المحن لا تموت، لكنها تحتاج إلى من يؤمن بقيمتها ويعتني بها بحب وإخلاص. ونقول لكل من بيده أمر هذا البلد: امنحوا الشباب فرصة للحياة والابتكار، وارسموا لهم طريق الأمل بدعم صادق ورعاية حانية، فبأيديهم ترتسم نهضةٌ حقيقية لا تُختزل في مجرد كلمات تُقال، بل تُترجم إلى أفعال تُحيي الروح الوطنية، وتعيد للوطن مجده ونوره المتجدد.
-نتمنى أن تجد كلماتك آذانا صاغية، ونأمل أن يُنصف الشباب المبدع.. ما هو الوطن بالنسبة لجهاد العبادي؟
الوطن في وجداني ليس حدودًا تُرسم على الخرائط، بل هو نبضٌ يسري في شرايين الروح، وذاكرةٌ تنسج خيوطها من دفء الطفولة وصدى الأيام. هو الحضن الأول الذي تنفّست فيه الأمان، والملاذ الذي لا يخون، مهما طال التيه واشتدّ المسير. هو الكلمة التي تزلزل القلب خشوعًا، والحنين الذي لا يخبو مهما باعدتنا المسافات. هو طفولة نديّة، وشبابٌ حالم، وقصيدة لا ينضب نبضها ولا يخفت ولاؤها. الوطنُ، حين يغيب، يُتمٌ مقيم؛ وحين نحياه بكرامة وحرية، نبلغ به تمام الحياة واكتمال المعنى.
- ما الذي منحته لك الكتابة، وما الذي أخذته منك؟
الكتابة منحتني صوتًا حين صمتَ الواقع، ومنفذًا حين ضاقت الدروب،، وفضاءً رحبًا أعبّر فيه عن أعمق ما في نفسي من أفكار ومشاعر. لقد أعادت تشكيل علاقتي بالعالم على نحوٍ أكثر عمقًا وصدقًا. هي زادي الروحي الذي أرتوي منه وأرتوي به، وموئل دهشتي في الاكتشاف، ورفاهية التأمل، وامتدادًا لذاتي في الآخرين. لكنها، في المقابل أخذت مني أوقاتًا من هدوئي، وسرقتني من لحظات كنتُ أحتاج أن أعيشها لا أن أكتبها، وخلّفت في نفسي عزلًا وصراعًا بين سكون الروح وصخب الأفكار. ورغم ذلك، تبقى الكتابة هبة لا تُقدّر بثمن، وحضورًا أصيلًا في كياني، فلا إبداع حقيقي دون أن تترك الكتابة أثراً عميقًا في روح صاحبها.
-هل الأدب يغيّر العالم، أم يواسي من فيه؟
الأدب لا يُغيّر العالم بأسلوب مباشر كما تفعله الحروب وغيره من وسائل الدمار والقوة، لكنه يوقظ العقول، ويهزّ القلوب كوميضٍ خافت يضيء دروب الفكر والشعور. هو لا يعيد رسم خرائط العالم، لكنه يرسم خرائطَ أدقّ.. تمتد في القلب والفكر والذاكرة، تلك خرائط الوعي، التي تشكّل وجدان الإنسان. قد لا يُسقط الظلم وحده، لكنه يُنضج الوعي الذي يُمهد لانهياره، ويزرع في النفوس بذور التغيير بهدوء وإصرار. والأدب، قبل ذلك كله، يُواسي الإنسان في وحدته، يُضمّد جراحه بالكلمات، ويمنحه المعنى حين يضيق الأفق وتتزاحم الأسئلة. إنه القوة الرقيقة التي لا تُحدث ضجيجاً، لكنها تحافظ على شعلة الأمل متقدة، وتُمهّد، بكلماتها، الطريق نحو عالمٍ أكثر اتساعًا وإنسانية.
-هل يؤثر الواقع السياسي والاجتماعي على صوتك كشاعر؟ وهل ترى الكتابة مقاومة؟
نعم، الواقع السياسي والاجتماعي يترك أثره العميق في صوت الشاعر، بل يكاد يكون أحد منابع الشعر الجوهرية، فالشاعر ليس كائناً معزولاً عن زمنه، بل هو ابن اللحظة، ينفعل بما حوله ويصوغ انفعاله بلغةٍ تتجاوز المباشر، لكنها لا تنفصل عن الواقع. وحين يضطرب العالم، يصبح الشعر مرآةً للوجع، وصرخةً ناعمة في وجه الصمت.
أما الكتابة، فهي في جوهرها فعل مقاومة، مقاومة للنسيان، للظلم، للتشويه، للتفاهة، بل وحتى للموت. حين يكتب الشاعر، فإنه لا يصف الواقع فقط، بل يواجهه، يُعيد تأويله، ويقترح شكلاً آخر للوجود أكثر عدلاً وعمقاً. الكتابة ليست ترفًا جماليًا، بل فعل وجود، واحتجاج راقٍ يُعيد للإنسان صوته، وللحقيقة ظلّها.
-أيهما أصعب.. أن تكتب نفسك أم تواجهها؟
كلاهما، بلا شك، فحين تكتب نفسك، تُخرج ما كان خفيًا إلى الضوء، تواجه صراعاتك الكامنة، وتسير في دروب من الأسئلة التي لا إجابات لها. فالكتابة عن النفس ليست مجرد بوح، بل هي كشف وتعر أمام الورق، قد تكشف خلالها عن جوانب منك لم تكن تعرفها أو كنت تتجنب مواجهتها.
أما مواجهة النفس، فهي الاختبار الأصعب، لأنك بلا أقنعة، بلا مراوغة، في حضرة الحقيقة كما هي، لا كما ترغب، وفي تلك اللحظة، تصبح الهزيمة احتمالًا واردًا، لا ضعفًا، بل لأن الصدق مؤلم، والاعتراف أحيانًا يشبه السقوط من منحدر داخلي عميق. فالكتابة عن النفس ومواجهتها طريقان متوازيان، كل منهما يحمل عبئًا من ذاتك، ويخلخل شيئًا فيك، وفي نهاية المطاف، يشكلان معًا تجسيدًا حقيقيًا للشجاعة والاعتراف.
-كيف ترى علاقة الكاتب بالمجتمع... هل هو شاهد أم متورط أم منفيّ؟
علاقة الكاتب بالمجتمع معقدة ومتعددة الأبعاد، فلا يمكن حصر دوره في كونه شاهدًا فقط، ولا في كونه متورطًا، ولا حتى منفيًا بالضرورة، فهو شاهد يقف على هامش الأحداث، يرصد خبايا الواقع بدقة متناهية ويوثق تفاصيله بموضوعية متزنة، لكنه في الوقت ذاته ليس كائنًا منفصلًا عن مجتمعه، بل تتشابك تجاربه الشخصية مع هموم الناس، فتتداخل مصائرهم، ويغدو متورطًا في قضاياهم وأحلامهم.
أما النفي، فهو حالة العزلة والاغتراب التي قد يفرضها عليه الواقع أو التقاليد حين تصطدم رؤاه بالعقبات، فتدفعه للانزواء أو الهروب عبر أروقة الفكر. ومع ذلك، حتى في لحظات الغربة هذه، يظل صوته متصلًا بنبض المجتمع، يعبر عن ألمه وأمله، ويعمل على بناء جسور التواصل والتغيير من خلال كلماته التي لا تنطفئ. وهكذا، يتماهى الكاتب بين أدوار الشاهد والمتورط والمنفي، لكنه في جوهره صوت لا ينكسر، يسعى دومًا لفهم الواقع، ولبث الحياة في نسيج الكلمات، ليترك أثرًا يمتد في وجدان الأجيال.
-هل الشاعر ما يكتب، أم ما يعجز عن كتابته؟
الشاعر هو ما يكتب وما يعجز عن كتابته في آنٍ معًا، فالشاعر ليس من يكتب فقط، بل مَن يسكن ما لا يُقال. إنّه الكائنُ المُعلَّقُ بين الكلمة وظلّها، بين القدرة على البوح، ووجع الصمت، بين الضوء الذي يُمنَح للعبارة، والعتمة التي تحتفظ بالمعنى. فهو في ما يكتبه يمنح اللغة شيئًا من روحه، ويُفصح عن ذاته كما لو كان يُنقّب في أعماقه، لكن الشعر الحقّ كثيرًا ما يقيم في المساحات التي تعجز العبارة عن بلوغها، في تلك الأحاسيس التي تتردّد بين القلب والقلم، ولا تجد لها سبيلاً إلى الضوء. وهكذا يُعرَف الشاعر بما نطق به قلمه، كما يُعرَف بما آثر أن يُبقيه في دائرة الصمت، حيث يهمس المعنى في الظلال، ويتردّد الشعور بين السطور دون تصريح، فليس الشعر ما يُقال فحسب، بل ما يُحسّ به ولا تُطيقه العبارة، وما يُلمَح من المعنى خلف حجاب اللغة. لذا، يظلّ الشاعر كائنًا من توترٍ خلاق، يتأرجح بين البوح والإيماء، بين الظهور والاحتجاب، حيث تمتزج امتلاءات القول بصمتٍ مشعّ، يوحي بما هو أعمق من الكلام، وأبقى من الحرف.
-ما الذي نخسره عندما نكتب؟
عندما نكتب، نخسر صمتًا عميقًا كان يحتضننا كأرضٍ خصبة لم تُحرث بعد، ونفقد الغموض الذي يحمي مشاعرنا من أن تتحول إلى كلمات مبتذلة، ونفقد اتساع الإحساس حين يُحبس في جملة، ونقاء اللحظة حين تُقيد على الورق. فالكتابة تخرجنا من داخلنا، لكنها في ذات الوقت تفرغنا، تُعرّي أعماقنا وتسلمها للآخرين، محوّلة التجربة الخاصة إلى مشاعر قابلة للتأويل، وربما لسوء الفهم.
نحن نكتب لنفهم، فنتخلى عن وهج الشعور الأول، ونكتب لنخفف عن ذواتنا، فنعلم أننا قد سلخنا من الألم جزءًا من صدقه حين طوّعناه للعبارة، ففي كل نص نكتبه، ثمة شيء ناقص، معنى يتسلل إلى الظلال، ووجع لم يكتمل بعد. نخلع أقنعتنا لا لنظهر، بل لنضع أنفسنا في مرمى الضوء، بين حدود الوضوح وغموض الاحتمال.
نخسر، نعم، لكننا لا نكتب لنربح، بل لننجو، فالكلمات وإن سلبت منا جزءًا من جوهرنا، تمنحنا شكلًا من البقاء، عزاءً يشبه الحقيقة وإن لم يكن هو ذاتها.
-هل لديك طقوس خاصة أثناء الكتابة، ومتى يزورك الالهام غالبا؟
ليس لي طقوس ثابتة أثناء الكتابة، فكلما استيقظ في داخلي الشغف والحنين إلى التعبير، أمدّ يدي إلى الورق أو شاشة الجوال، أكتب حيثما كنت وتحت أي ظرفٍ كان، فالكتابة عندي ليست مقيّدة بزمن أو مكان، بل هي نداء داخلي يستجيب له قلبي حين يشتد ولهي ولهفته.
أما الإلهام، فما أعمق سرّه وما أعذبه! حين يزورني، تتطوع الكلمات بين يديّ كما تتراقص الأنثى في فرح لقاء الحبيب، تنساب العبارات رقيقةً، متلونةً، كما لو أنها كانت تنتظر تلك اللحظة كي تولد من جديد عبر حبر قلمي. يكون الإلهام رفيقاً ودودًا يسير معي بخطى هادئة، يمنحني الحرية في تشكيل الفكرة وتحريرها من قيود الصمت.
ولكن إذا جفّت تلك الزيارات، وحلّ الجفاء بيني وبين الإلهام، فحينها تتحول الكتابة إلى معركة شاقة، صراع بين الروح والكلمة، وبين الفكر والحرف، تُنتزع الكلمات مني بقوة، كما يُنتزع الروح من الجسد، ولا أجد سوى عناء التعبير ومقاومة الصمت الذي يفرض نفسه، ومع ذلك، يظل الشغف بالكتابة هو الشعلة التي لا تنطفئ، مهما طال الغياب.
-برأيك، ما دور الأديب في زمن الفوضى أو الأزمات؟ وهل ما زالت الكلمة تملك أثرًا؟
في زمن تتراكم فيه الأزمات، وتتشظّى فيه القيم، يصبح دور الأديب أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فالأديب ليس مجرد راوٍ للأحداث، بل هو شاهد على العصر، وناقد لما يعتريه من خلل، ومبشّر بما يمكن أن يكون عليه من صلاح. إنّ كلمته ليست ترفًا لغويًا، بل موقفٌ أخلاقي، ومسؤولية فكرية، ووقوفٌ دائم في صف الحقيقة، ولو كلّفه ذلك العزلة أو العناء.
ورغم ما نعيشه من فوضى معرفية، وتراجعٍ في أثر النخبة، وتَصدُّر من لا وزن لهم فكريًا ولا قيمة لهم أخلاقيًا، فإن الكلمة الصادقة لا تموت. صحيح أنّ وسائل الإعلام الحديثة قد ساوت بين الجهل والمعرفة، وبين الصخب والهدوء، بل أحيانًا حاربت الوعي وروّجت للسطحية، إلا أن الكلمة المولودة من ضمير حيّ، تبقى قادرة على إحداث التغيير، ولو بعد حين. واذا يجب أن يكون دور الأديب اليوم ليس في الانزواء ولا التفرّج، بل في أن يُبقي على جذوة المعنى حيّة، وأن يصوغ من الحرف جسرًا نحو الوعي، ومن القصيدة جرس إنذار يُوقظ الغافلين، ويوقظ فينا الإنسان.
-هل تشعر أن المجتمع يقدّر الأدب اليوم؟ أم أن المبدع يكتب في الفراغ؟
في الحقيقة، يمكن القول إن التقدير الحقيقي للأدب بات اليوم محصورًا في دوائر ضيّقة، نخبوية غالبًا، بينما يطغى في الفضاء العام المحتوى السريع والسطحي. لذلك، يشعر كثير من المبدعين أنهم يكتبون في فراغ، أو في صمتٍ لا يلقى الصدى الذي يستحقه، لكن هذا لا يُنقص من قيمة ما يكتبونه, فالكلمة الصادقة لا تموت، وإن تأخّر صداها. ربما لم يعد الأدب اليوم وسيلة جماهيرية كما في السابق، لكنه لا يزال ضرورة، يُغذي الوعي ويقاوم النسيان، حتى لو بدا صوته خافتًا في ضجيج العصر.
-كيف تولد الفكرة لديك؟ هل تنتظرك القصيدة، أم تبحث عنها؟
الفكرة لا تولد بأمرٍ مباشر، بل تتشكل بهدوء، في الظل، ثم تفاجئك حين لا تتوقعها. أحيانًا تأتي كوميض عابر من شعور، أو مشهدٍ عادي يحمل في داخله ما ليس عاديًا، أو كلمة قيلت على الهامش فحرّكت شيئًا عميقًا في الداخل.
القصيدة أحيانًا تنتظرني، تتربّص بي في الزوايا، وتكشف وجهها حين أكون مستعدًا لها، وأحيانًا أبحث عنها، أُطارِد أثرها في الحروف، وأُفتّش عن صوتي بين الأصوات. لكنها، في كل الأحوال، لا تأتي إلا حين تريد، لا حين أريد، فالقصيدة كائن غامض يحتاج إلى الإنصات أكثر من الجهد، وإلى الصدق أكثر من الصياغة. قد تبدأ بحرف، بصورة، بشعور غامض لا اسم له... ثم تكبر فجأة لتغدو نصًا يشبهني، أو أكتشف أنه يشبه ما كنت أهرب منه.
-هل تأخذ النقد بسهولة، أم تصارع لأجل نصك؟
النقد، بالنسبة لي، ليس سهلاً دائمًا، لكنه ضروري. أستمع إليه بقلب مفتوح حين يكون نزيهًا وصادقًا، لأنه يضيء زوايا قد لا أراها من داخلي، ويمنح النص فرصة للنمو والتطور. فالكاتب الذي لا يحتمل النقد، يُعرض نصه للجمود والعزلة.
لكن في الوقت نفسه، هناك نصوص لا أُسلّمها بسهولة، لأنها كُتبت من جُرحي أو صدق شعوري، فأدافع عنها لا من باب العناد، بل من باب الإيمان بها، فليس كل نقد مُحقّ، وليس كل دفاع تمسّكٌ أعمى.
إنه توازن دقيق بين الإصغاء والتشبث، بين المرونة والحفاظ على جوهر الصوت. فالنص، في النهاية، ليس مجرد كلمات على ورق، بل جزء من ذات تُحاور العالم.
-ما الذي تخشاه في طريقك كشاعر؟ وهل تشعر أنك قد تصل إلى "نقطة النهاية"؟
ما أخشاه في طريقي كشاعر ليس الصمت، بل التكرار… أن أفقد دهشة الكلمة، أو أن يتحوّل الشعر إلى عادة خالية من النبض. أخشى أن أكتب يومًا ما لا أشعر به، أو أستعير صوتًا لا يشبهني، لمجرد أن أُبقي الحبر حيًّا.
أما "نقطة النهاية"، فلا أؤمن بها تمامًا. فالشعر ليس خطًّا مستقيمًا ينتهي عند حدّ، بل هو دوائر من التجربة والرؤية والتجدد. قد تأتي لحظات تعب أو صمت طويلة، وقد أشعر أنني قلت كل ما أستطيع… لكن الحياة لا تنفد، ولا ينفد معها المعنى. فكل لحظة جديدة تحمل احتمالًا للقصيدة، وكل وجع أو فرح أو تأمل قد يكون بذرة لبداية أخرى، لذلك، قد أتوقف، أختفي، ألوذ بالصمت... لكني لا أظن أنني أصل إلى النهاية، ما دامت الحياة تُدهشني، وما دمت أستطيع أن أندهش.
-لو كان عليك أن تختصر كل تجربتك الأدبية في جملة واحدة، فماذا تقول؟
تجربتي الأدبية هي نضال دائم مع الكلمات، وسعي مستمر لإيصال صوت الروح عبر معاناة الحياة وأحلامها، حيث تتحول الكتابة إلى حياة تُعاش بصدق وعمق.
-أخيراً.. لو كان عليك أن تقول جملة واحدة وتعلقها على باب قلبك ، تقول؟
في عمق الصمت تتجلى أسمى الحقائق، فلا تبحث عن معنى أبعد مما ينبض به قلبك.
بهذا نصل إلى نهاية هذا البوح الهادئ، كأننا خرجنا من جلسة تأمّل… أو من نصٍّ مُدهش لم يُكتب بعد.
في "أقرب من همس"، لا نبحث عن أجوبة جاهزة، بل نصغي لما خلف السطور والنبض.
شكرًا بحجم المدى، ومحبات كالمطر أيها الشاعر الأنيق لأنك جئت خفيفًا كنسمة، عميقًا كحرف لا يخطئ القلب. كنت هنا كما القصيدة: صادقًا، نقيًّا، وعابرًا فينا بوقار. نرجو أن تبقى الكتابة لك ضوءًا لا يخفت، وأن تبقى الأقلام في يدك أجنحة لروحك، دُمت متوهجاً بالإبداع.
إلى لقاء آخر في "أقرب من همس"... حيث سِيَر الضوء لا تزال تُروى.
