انتصر الشعر.. وكفى!
منصة حمير | مقال للدكتور: علي صالح الخلاقي
====
في ساحة الأدب، لا تُقاس القيمة بالأسماء أو المناطق، ولا تُحدّ الإبداعات الشعرية بقيود الجغرافيا أو الانتماءات الضيقة. الشعر الحقيقي يتجاوز كل ذلك، ويتحدث بلغة الجمال والصدق والمعاناة والأمل، ولهذا نقول: انتصَر الشعر، وكفى!
نقولها رداً على بعض الأصوات التي حاولت، للأسف، أن تشكك في نزاهة لجنة التحكيم في المسابقة التي شهدتها عدن تحت مسمى "أمير الشعراء "، أو تشوّه صورة الفائزين والمشاركين، وكأن الشعر أصبح رهناً لأمزجة أو اصطفافات شخصية أو قبلية أو مناطقية لا تمت بصلة لما قدمه المتسابقون من نصوص عالية المستوى.
يجب أن يعرف هؤلاء أن الشعر لا قبيلة له ولا منطقة، وهو في جوهره، لا يُوزن بمعيار الانتماء القبلي، ولا يُقاس بالهوية المناطقية، ولا يُحدّد ببطاقة شخصية أو جغرافية. الشعر انتماء للإنسان، للوجع والفرح، للحب والكرامة، وهو مساحة مشتركة لكل القلوب الطافحة بالإحساس. لذلك فإن أي محاولات لجرّ الشعر إلى مربّعات الجدل المناطقي أو الشخصي، لا تخدم لا الشعراء ولا المتلقين، بل تُضعف الذائقة العامة، وتسيء إلى رسالة الشعر.
ومن الطبيعي، بل ومن المُسَلَّم به، أن يفوز شاعر واحد بالمركز الأول، ويتبعه أربعة آخرون ضمن المراتب الخمسة الأولى، هكذا هو حال المسابقات تحت أي مسمى كان.. لكن هذا لا يعني مطلقاً أن الآخرين ليسوا بشعراء، أو أن اللجنة قد جانبت الصواب. العكس تماماً، فقد أثبتت لجنة التحكيم، بتشكيلتها المتميزة، أنها كانت على قدر المسؤولية، وأدّت دورها بكل أمانة وتجرد منتصرة للشعر فقط.
ونحن نعرف أعضاء اللجنة واحداً واحداً، : بكفاءتهم ونزاهتهم التي لا غبار عليها فهم زملاء وأكاديميون معروفون، ومتخصصون في النقد الأدبي والكتابة لعقود، وهم:
أ.د. سالم عبدالرب السلفي، أ.د.الدكتور علي الزبير، أ.د.سعيد بيونس
وثلاثتهم أسماء مشهود لها بالعلم والثقافة، وبنزاهة لا يمكن التشكيك فيها وبعدهم عن التحيز والانفعال ، وهو ما يعرفه كل من درس على أيديهم أو جالسهم في ندوات أو محافل أدبية.
ومن الضروري التذكير بأن هذه المسابقة ليست هي المعيار الوحيد للتفوق الشعري وليست نهاية المطاف، فهناك شعراء كبار لم يشاركوا فيها، ولهم حضورهم القوي وتأثيرهم البالغ في الساحة الشعرية، ولهم جمهورهم ومحبوهم. لذلك لا ينبغي لنا أن نُعطي المسابقة حجماً أكبر من دورها الرمزي والتنافسي، كما لا يصح أن ننتقص من مكانة من شاركوا فيها أو فازوا بها.
علماً أن "أمير الشعراء" كلقب ومسابقة هو من خصوصيات الثقافة العربية فقط، ولا نجد لها نظيراً لدى بقية الشعوب الأخرى، فلم نسمع عن أمير الشعراء الروس أو الأمريكان أو الفرنسيين..الخ ولديهم شعراء كبار يفاخرون بهم. وقد ارتبط لقب "أمير الشعراء" لأول مرة بالشاعر أحمد شوقي، الذي بويع بهذا اللقب في القاهرة عام 1927م، واعترض عليه حينها عدد من كبار الشعراء العرب ، واعتراضهم بُني على فكرة أن لا أمارة للشعر ، لأنه لا يُقاس كمياً ولا يخضع للتصنيف الحاد، كما أن أي لقب من هذا النوع قد يتحوّل مع الوقت إلى وسيلة إقصاء أو تمييز تُستخدم ضد شعراء آخرين لا يقلّون إبداعًا.
وخلال العقدين الأخيرين تحول الاسم إلى مسابقات تلفزيونية عربية استلهمت اسمها من تلك البيعة الرمزية لشوقي، وتهدف إلى إحياء الشعر العربي، وعلى هذا النحو جاءت المسابقة الأخيرة في عدن، ويكفي أنها حركت الساحة الأدبية وأثارت الحماس بين الشعراء ومحبيهم.
ختاماً
تحية من القلب لكل من شارك في هذه المسابقة وأسهم في انجاحها، وأخص هنا الشاعر فهد جعموم، وتحية أكبر للجنة التحكيم التي عملت بصمت وشفافية، فأنصفت الكلمة، وانتصرت للشعر، وتهانينا للفائزين في هذه المنافسة.
