المناطقية في اليمن.. داء متجذر

منصة حمير | مقال للكاتب: عبدالقادر زايد

المناطقية في اليمن.. داء متجذر

لم تعد النزعة المناطقية في اليمن مجرد مزاج فردي أو هفوة عابرة تتقلب مع الأهواء، بل تحولت إلى نهج مكرس وسمة شبه جماعية. يمكنني القول بقناعة كاملة وراسخة: بلادنا مناطقية حتى النخاع. البلاد وأهلها، كلهم، مناطقيون، وليس بإمكان أياً منا أن يتنصل من هذه اللوثة، أو يدعي وحده الطهارة.

إننا مناطقيون لأسباب تاريخية وسياسية واجتماعية وبنيوية عميقة وبالغة الاستحكام. ولربما لأسباب أكبر منا حتى. المهم الاعتراف بأننا كذلك، وهنا تبدأ أولى خطوات الإصلاح، بالطبع إن صدقت النيات وتوفرت الإرادات.

من يلصق التهمة بمنطقة/ جماعة ما ويستثني نفسه وجماعته منها، هو المتهم الكبير بالتهمة، ويجب ألا نسمح له بتمرير طهارته الزائفة.. أولئك الذين يصرون على تبرئة أنفسهم واتجاهاتهم من جاهلية النزعة وإلصاقها بالآخرين، نقبوا في سلوكهم جيداً، وفتشوا بعمق في لغتهم وآثار أقدامهم؛ عندها فقط ستفهمون زيغهم وبطلان مزاعمهم.

هذا النوع من البشر بالذات، ستعثرون في جيوب حيواتهم الكثير جداً من العصبية والالتذاذ الحاد بالجماعة والمنطقة. في مخابئ أنفسهم تقبع مياه آسنة تفيض بأنانية الأهل وحمى الأقارب والجهات. انعموا النظر في وثائق الصَحَب والرفقة، وهويات المحيطين، وستجدون فيها من المناطقية والتخندقات المعلولة ما لن تجدوه لدى غيرهم.

أستحالت المناطقية في اليمن، في كل ربوع هذه البلاد البائسة، إلى أكثر من مجرد داء. هذه هي الحقيقة العارية، وعلينا مواجهتها. لقد استفحلت منذ زمن طويل وعمت أرجاء الجغرافيا كلها. فاضت مليء الدنيا، وأصبحت، بنحو ما، فلسفة حياة تُعلي من شأن الانتماء الضيق للأهل والقبيلة، وتقتفي منهج يحث على إعادة صياغة النسيج الاجتماعي على أسس بالية ورثة، حتى من دون قصد في أحايين كثيرة.. إنها أشبه بنزوة غابة في كثير من تقلباتها.

لننظر بعمق في الوجدان الجمعي، ولنرى كيف ترسخت هذه النزعة وتمكنت من خلخلة النسيج المجتمعي اليمني كله. أنها تبدو كما لو كانت عقيدة جامعة وجامدة، ينهل منها السلوك الفردي والجماعي قاطبة، بنهم وشراهة، على حد سواء.

الأكثر خطورة من هذا كله، هو أن هناك من لم يكتفِ أن تعاطى مع هذا الداء وكأنه أمر طبيعي فحسب، بل ساهم في تعميقه وتكريسه من خلال الترشيحات والانتقاءات الوظيفية التي تُبنى على الميول المناطقية فقط، دون اعتبار للأهلية والكفاءة والتنوع. هذه النزعة المريضة والضيقة الأفق هي واحدة من الأسباب الكبيرة والجوهرية وراء السلوكيات التالفة والهزيلة التي تظهر في القطاع الوظيفي بالدولة بين حين وآخر.

فالدافع المناطقي الذي أوصل شخصاً معيناً إلى منصب ما هو نفسه الذي يشرعن له تفاهات انحيازاته الضيقة تلك، ويمنحه المبرر للتصرف بناءً على أسس جهوية ومناطقية ضيقة وجاهلة.

جوهر الداء يكمن في تلك الانتقاءات التي لا تستند إلى كفاءة أو علم، بل إلى ميولات جهوية عمياء. هذا الانتقاء المريض، الذي يدفع بالأفراد إلى المناصب العليا بناءً على أبعاد جغرافية، هو الذي يمنحهم صكاً للتصرف بمنطق بدائي ومتخلف.

إنها حلقة مفرغة، حيث يُغذّي الدافع المناطقي للوظيفة سلوكياتهم في العمل والمعاملات، وهكذا يصبح المنصب أداةً لتكريس الجهل والغباوة والتنابذ والاقصاء والمناطقية... ألا فانبذوها فأنها منتنة، وتورث المهالك.