المرشدي٠٠ أيقونة ثورة 14 من اكتوبر المجيدة

منصة حمير | مقال للدكتور: عوض الشعبي

المرشدي٠٠ أيقونة ثورة 14 من اكتوبر المجيدة

 عندما تكتمل أركان الثورة، وتنطق الحناجر كما تنطق البنادق، ينهض الفن الحقيقي إلى مسامعنا ليشحذ الهمم، ويلهب حماس الشعب، ومن بين ظلام الاستعمار، ورائحة البارود التي تفوح في سماء عدن ومحمياتها الشرقية والغربية، تهادى إلى مسامعنا صوتً فريد ومميز في لحن الأداء، لا يشبه إلا ذاته، صوت رقيق كنسيم عدن الشتوي الذي يلاطف سواحلها الناعمة، وصلب شامخ كجبل شمسان المطل على بحرها وحارسها الأمين، إنه أيقونة الفن الجنوبي في ذاك الزمان، بلا منازع أنه: محمد مرشد ناجي، الذي لم يكن مجرد فنان، بل كان صوت الجنوب بأكمله، وضمير ثائر لا يعرف الانكسار، والانتكاس.

في زمن كان فيه سادة القوم عملاء، يلعقون حذاء المستعمر، ويتوددون إليه، أختار المرشدي أن يسلك طريقًا آخر، طريق الشرف والبطولة، والتصدي للمستعمر بصوته الخالد، صوت الشعب الجبار، ورفيقًا للثوار والثورة في دروبهم الوعرة المحفوفة بالمخاطر، لم يغنِ المرشدي للحبيبة فقط، بقدر ما غنى للأرض، للكرامة، وللحرية والعزة، حيث كانت أوتاره الصوتية تنبض بالثورة، بالنار، بالغضب، وكانت كلماته تشتعل كشرارة تمضي من صدره إلى القلوب الظامئة للثورة والحرية، لم يكن فنه للترفية والتسلية، بل سلاحًا، نارياً يصوبه بدقة إلى صدر الاستعمار البغيض، ويوقظ في النفوس شعلة العزة والشموخ والانفة.

في صوت المرشدي، كان الوطن يغني من شرقةً إلى غربةً، وكان الحنين إلى الجنوب يلهب حماس القلوب، إذ قال:

 يا شعبنا.. يا شعبنا..

صوتك نشيدك..

والمجد عيدك..

والحق بأيدك.. 

والثورة فيك..

تلك الكلمات لم تكن مجرد أبيات، بل كانت شعلات أضاءت عتمة الاحتلال، وهزت جدران الصمت والخنوع.

وفي نشيده الشهير، خاطب الجنوب كأنما يخاطب أما جريحة، يضمد جراحها بالأغنية والوفاء:

 يا جنوب اليوم نادينا جميع..

واستجبنا كلنا لك يا وطن...

ما رضينا العيش في وضع وضيع..

أو نقبل الذل ونرضى بالمحن..

لم يكن المرشد فنانًا عابرًا في زمن صاخب، بل كان رائدًا من رواد الاغنية الوطنية في زمن استثنائي، إذ جعل من الفن فعلًا سياسيًا، ومن اللحن ثورةً تحرق براثن المستعمر، لقد كتب اسمه في سفر التاريخ، لا بالحبر، بل بصوت حي لم تخفت نبرته رغم تقادم السنين.

سيظل المرشدي — في وجداننا علامة ثورية مضيئة رغم رحيله ٠٠٠٠ وستظل اغانيه الوطنية التي كانت تردد في الجبل والسهل والساحل خالدة لا تزول.