قصة الكائن الخرافي الذي يحول السموم إلى نبيذ
منصة حمير | مقال للكاتب: عبدالقادر زايد
أتت عليّ أوقات أهتزّ فيها يقيني بكل شيء، فقدت الثقة بداخلي، وضقت ذرعاً بالوجود كلّه. لم أعد أومن بقدرتي على مواصلة الحياة بالقناعات الذاتية الزائفة التي تجعلك تتوهم بأنك قادر على تجاوز عقبات الواقع والمضي قدماً رغم ما يحدث لك. وتخليت عن كل ما ظننته يوماً ممكناً.
كنت أحدق بأسى إلى ثقتي بقدراتي على أن أفعل شيئاً نافعاً في حياتي وجديراً بالثقة، وهي تتداعى. وكنت أقول لنفسي: كفاك وهماً يا فتى… لا تتنطّع لما لست أهلاً له، ولا تحمّل روحك ما لا طاقة لها بالمقدرة عليه. فكرت مراراً في أن هذه الأحلام التي أتشدّق بها أكبر مني، وأبعد من أن يطالها طائر مهيض الريش مثلي. وأهمس لدواخلي بيأس: أنت لا تملك الثمن الكافي لشراء مراميك من مَتجر الغيب، يا ولدي.
مع ذلك، ظل هناك شيئاً ما في أعماقي يرفض هذا الإغراء بالاستسلام، ويضحك بسخرية من هذه التهديدات التي يطلقها رهاب المستقبل. أبلغ حافة القناعة بأن ما أسعى إليه لن يكون يوماً، لكأنما أرتدي قميصاً أوسع من حجم عريي بكثير، وأكاد أصدّق أن الطريق الذي مشت إليه روحي طويلاً قد انهار فجأة تحت قدمي. يهبط هذا الإحساس عليّ بغتة فيهزمني، لكأنه ملك الموت يستعد لينفذ فيّ تعلميات الله الأخيرة.
سأكون صريحاً وحقيقياً ولن أمثل: خرجت من كل تلك المعارك منتصراً. أو ربما بأقل الخسائر، وبقيت صامداً حتى هذه اللحظة. لكني لا أعرف كيف فعلت ذلك، ولا الأسباب العميقة التي جعلتني أنجو منها. ما أفهمه هو أنني صرت بمنأى عن السقوط في أوحال الوجود مرات كثيرة، لكن لست أدرك بعد السر الذي مكنني في النهاية من تجاوز الأمر والبقاء على قيد المعركة حتى هذه اللحظة.
طوال حروبي تلك؛ تعلمت أن كل ما يجرى لي جاء ليعلمني رقصة القوة التي لا تعرف الانحناء. إنها أشبه باللكمة القاسية التي تصقل الخد من حيث أرادت إهانته. ولا زلت أرى في كل عقبة فرصة لأصبح ذلك المقاتل المتفوق، الذي يرقص على حافة الهاوية ويخلق معناه من رحم المكابدة، وعنق الهزيمة.
مؤخراً، ومن دون مبالغة، باتت تسكنني قناعة ضخمة وغير مفهومة تقرأ كل ضعف يطرأ على حياتي على أنه وقود إضافي لأفعى إرادتي التي تلف نفسها حول شجرة الحياة متحدية كل العواصف. وتبشرني أن تأتي عليّ أيام تغيب فيها الشمس عن قلبي، أيام سأشعر فيها بأن الأحلام أصبحت جثثاً هامدة. لكني أعرف الآن أن هذه ليست سوى لحظات الاستعداد للقفزة العظيمة.
فكما أن البركان يجب أن يتراكم في صمته قبل انفجاره، كذلك يجب للإنسان أن ينحدر إلى أعماق نفسه قبل أن يرتفع إلى ذروة كينونته.
تصالحت مع الحياة ولم أعد أراها ساحة قتال. لقد أصبحت رقصة وجودية، وقصيدة عبقرية وساحرة. وكل خطوة للوراء ليست سوى استعداداً لقفزة خمس خطوات إلى الأمام. ها أنا ذا الآن، في هذه اللحظة بالذات، ألمس النجوم بأطراف أصابعي، لأني تعلمت أن أعانق الظلام كي أرى النور بشكل أوضح.
هكذا صرتُ.. كائن خرافي يحول السموم إلى نبيذ، ويرقص على أنقاض غرائزه القديمة ليخلق منها عالماً جديداً. لأني في النهاية، ذلك المجذوب الجميل الذي يرفض أن يكون أي شيء أقل من كل ما يمكنه أن يكون.
