مجرد خاطرة: (إشراك جميع طبقات المجتمع شرط أساسي في التغيير)

مقال للكاتب : طارق هيثم

مجرد خاطرة: (إشراك جميع طبقات المجتمع شرط أساسي في التغيير)

بعضنا بلغ عقله السقف في وقت مبكر من حياته، وكأن عقله توقفت قدراته الإدراكية هنا ولم يعد قادرا على تجاوز هذه المرحلة بتاتا، وهؤلاء الناس صنفان:

 صنف يتفاعل في المجتمع ويفيد من هم دونه بحسب رصيده المخزون تحت هذا السقف، سواء كان هذا الرصيد ( علما، فكرا، فقها، خبرات معينة ، قدرات ..الخ ). ونستيطع أن نشبه هؤلاء بالسيارة ذات الدفع الثنائي التي تعمل في الأماكن السهلة و المزفلتة فتقدم خدمات جبارة يستفيد منها المجتمع في حدود إمكاناتها المتواضعة، ولا تتوقف خدماتها عن العمل لوجود المواصلات الأكبر منها قدرة واستيعابا .

وصنف : لم يتصالح مع نفسه ويرضى بما قسمه الله له بل يريد الزمن يتوقف عند السقف الذي بلغه هو، ولا يتقدم ( الزمن ) عليه قيد أنملة، خصوصا إذا كان في يوم ما، له قيمة كبيرة في المجتمع، فيحاول جاهدا بأن يقف حائلا عند كل جديد لم يبلغه عقله المحدود، ويستخدم كافة الوسائل الممكنة لتحذير المجتمع من هذا الواقع الذي سبقه بمراحل، ويظن في نفسه بأنه يدافع عن ثوابت يتوهمها وفي حقيقة الأمر هو يدافع عن مكانته الاجتماعية التي سيفقدها إن حصل تحول في المجتمع ولم يستطع مواكبته، ومشكلة هذا الصنف ليست في نفسه بقدر ما هي في عرقلة مسيرة التغيير حيث أنه يؤخرها خصوصا وأن أفراد هذا النوع يشكلون أغلبية، وتأثيرهم في المجتمع كبير جدا؛ لكون وظائفهم تجعلهم يختلطون به أكثر من غيرهم.

لم يستوعب هؤلاء بأن حركة التاريخ لا تقف عند حد معين، فهي في سيرورة دائمة وفي تغير مستمر وكل شيء في الوجود بدون استثناء يتحرك ويتغير بشكل حتمي أو إرادي من الذرة إلى المجرة . حتى قال أحد الفلاسفة الإغريق ما معناه : ( لا يمكنك أن تعبر النهر مرتين ) يقصد بأن خلايا جسمك تكون قد تغيرت عند مرورك النهر في المرة الثانية فلم تعد هي نفسها التي مرته قبل لحظات، ولو لم ير هذا التغيير الذي حصل بالعين المجردة .

وهناك مشكلة أخرى ساعدت هذا الصنف على تبطيء عملية التغيير وهي النرجسية ( العجب والغرور ) التي يتصف بها المتفوقون أصاحب العقول ذات الفضاء المفتوح، والذين يقع على عاتقهم التنظير لعملية التغيير ، ولا تقل هذه المشكلة خطرا من سابقتها، حيث يرى هؤلاء النرجسيون أنفسهم فوق الجميع، حتى أن بعضهم يقسم الناس إلى طبقة العلماء والعوام - تعبير الإسلاميين- أو طبقة المثقفين والطبقة الشعبية - تعبير العلمانيين - فيجعل هؤلاء أنفسهم الأصل أو المتن والبقية هم الهامش، وتأثير هذه النظرة النرجسية، على عملية التغيير تتمثل في تهميشهم لتلك الطبقة - مع أنها الأكثر شعبية كما ذكرت هذا سابقا - وعدم إشراكهم في مشاريع التغيير، وعدم توضيح الرؤى والأفكار - بلغة سهلة - التي من شأنها أن تنقل المجتمع نحو الأفضل، كل هذه الأسباب وغيرها أوجدت شقا وفجوة كبيرة بين المفكرين والمثقفين وبين هذه الطبقة محدودية الثقافة والتفكير، مما جعل الطبقة النرجسية ينزوون في مجتمعات على شكل أحزاب أو جماعات منبوذة، ومكروهة، ومنكفئة على نفسها، وليس لأفكارهم أي أثر في واقع حياة الناس.

مشكلة هؤلاء أنهم لم يدركوا بأن وجود أصحاب العقول المحدودة (السقوف الصغيرة) ، يساهم في التغيير بطرق كثيرة حتى أنهم هم أنفسهم كانوا ثمرة جهود تلك الطبقة كيف لا، وفيهم من علمهم، ورباهم، أو قدم لهم نصيحة أو مساعدة  أو أو...الخ.

 إن كل نشاط إنساني مهما كان بسيطا فيما يبدو، إلا أنه عنصر فاعل في التغيير مهما كان يراه البعض فوضويا وفي الهامش، ويمكننا هنا أن نستلهم من نظرية الفوضى في الفيزياء لتدعيم هذا المعنى هنا، حيث أن هذه النظرية تقول: بأن أي تغييرات بسيطة وفوضوية في الشروط الأولية في أنظمة الأرض يمكنها أن تحدث تغييرات عملاقة هنا أو هناك، فربما رفرفة جناح فراشة في الصين يؤثر في تلك الشروط فتعمل إعصارا في الولايات المتحدة الأمريكية، ولذلك من خلال ضرب هذا المثال لأحد علماء الفيزياء سميت ب( نظرية الفراشة )، وهكذا يقال في حركة المجتمع البسيطة والفوضوية بأنها تساهم بشكل أو بآخر نحو التغيير، ثم إن كثيرا من الناس المعدودين في الهامش قد يصعدون في أوقات الفتن والحروب ونحوها للمتن، وينزل المتن مكان الهامش، فتقود هذه الطبقات الدنيا عملية التغيير من الناحية العملية بشكل يستحيل توقعه، وصدق النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال ( إنما تنصرون وترزقون بضعفائكم ) إشارة إلى العكسر والطبقة العاملة والله أعلم.

ولهذا يؤسفني جدا حينما يطالب البعض، قيادات مرحلة من مراحل النضال السلمي، عن سبب انزوائهم في الهامش في مرحلة تطلب فيها العمل إلى كفاح مسلح ونحوه، فلكل مرحلة رجال وقدرات خاصة يفرزها الواقع، ولا يوجد هامش ومتن مطلقين فالعملية نسبية ومتغيرة .

إن وجود الحيوانات المنوية المتدفقة مع مني الذكر، يجب أن تكون كثيرة جدا مع أن الذي يحقق الهدف ويقوم بعملية التلقيح منهم واحد فقط، لكن هذه الكثرة للحيوانات المنوية شرط أساسي لنجاح هذا الواحد، فلو قل عدد هذه الحيوانات عن ال20 مليون لأصبح تلقيح البويضة بهذا الحيوان عسيرا للغاية ولو قل عن العشرة ملايين لبات حدوث ذلك التلقيح مستحيلا !! 

لو اعتبرنا هذا الواحد هو (المتن) فما كان له أن ينجح ويخترق البويضة ويحدث ذلك الجنين لولا وجود البقية ( الهامش ).

لقد كان هذا الحيوان المنوي الناجح قبل القذف مجهولا،  وحصل نجاحه بشكل عشوائي - بالنسبة لعلمنا - فلن يستطع أحد أن يتوقع من كان سيكتب له النجاح ويحقق الهدف المنشود من بين عشرات الملايين من الحيوانات المنوية، قبل حصول عملية التلقيح، وقد ساهمت بقية الملايين في نجاح هذه العملية فكان وجودهم شرطا أساسيا لنجاحها، كما تمت الإشارة إلى ذلك آنفا، ونحن معاشر البشر، مهما تحقق التغيير على يد قيادات معينة إلا أن هذه العملية شارك فيها الجميع بطريقة أو بأخرى ومن يمعن النظر يتبين له تفاصيل هذه المشاركات بشكل ملحوظ.

ألا تلاحظون معي بأننا نعاني من هاتين ( الطبقتين )، ولن تقوم لنا قائمة مالم تكن هناك مصالحة بينهما، ويشتركون جميعا في مشاريع التغيير، وأن يحترم كل منهما الآخر، ويقدر جهوده مهما كانت، وحينها سنرى حدوث نقلة نوعية وجبارة لم تكن في الحسبان .