الشعر والشعراء

مقال : للدكتور عارف عبد

الشعر والشعراء

الشعر الأصيل الذي يستحق صاحبه المرتبة العليا في الشعر له عنصران رئيسيان:

- العنصر الأول: الانفعال والعاطفة، فالشاعر الحقيقي في لحظة إنتاجه للشعر يدخل في حالة من الانفعال الحاد يخرج به عن الطور العادي إلى حالة غريبة تعد نوعا من أنواع الجنون، فالجنون فنون ومنه جنون الشعر الذي هو انفعال حاد في لحظات عاطفية شديدة، مثل: الحب أو الحزن والانكسار، أو الفرح والنشوة والطرب، أو الغضب، أو العُجب والفخر، أو لحظات صراع داخلي رهيب.

قديما لما كان العرب يلاحظون هذا الخروج عن المألوف عند الشاعر في لحظة إنتاجه للقصيدة كانوا يعتقدون أن شيطانا من شياطين الشعر التي تسكن وادي عبقر زاره فالتبس به فأعطاه القصيدة، ولفظ الهاجس والحليلية في الثقافة العامية المعاصرة يسير في نفس السياق، فالهاجس في تصورهم هو اسم لشيطان الشعر، والحليلية اسم لشيطانته، وكل هذا في الواقع وفي مختبرات العلم الحديث عبارة عن انفعال حاد تتغير فيه كيمياء الدم والهرمونات يصيب الشاعر في لحظة إنتاج القصيدة.

العنصر الثاني: الذكاء اللغوي، وهو قدرة الشاعر على إدارة اللغة التي تلين له وتعطيه إمكانياتها الهائلة. 

وليونتها له تكون بطريقتين:

أ- ليونة موسيقية: وهي إحكام السبك والحبك، بأذن موسيقية مرهفة منتهية بقافية ورُوي، وأفضله ما يقال له السهل الممتنع الذي تشعر أنه ينساب ويتدفق مع الشاعر بلا تكلف. 

 

ب- تشبيهات واستعارات ومجازات وصور وأخيلة وكنايات: فترى الشاعر -بتأثير الانفعال- يتصرف في اللغة ويصنع من ألفاظها عالما جديدًا إبداعيا متحركا مليئا بالحركة والرموز والإيحاءات.

وبعد ما سبق أسجل أربع ملاحظات:

الأولى: رأى بعض الشعراء المحدثين أن الوزن والقافية تحد من قوة الانفعال، وقوة التصرف باللغة من ناحية الصور والأخيلة والإيحاء؛ إذ إنها تعيد الشاعر إلى الطور العادي الذي يحضر فيه العقل والتكلُّف، ويتوارى فيه الجنون الإبداعي (أي يخفت الانفعال الذي هو عنصر الشعر الأشد تأثيرا) ولهذا ابتكروا الشعر الحديث الذي يقوم على موسيقى داخلية مرنة تقوم مقام بحور الشعر وقوافيه.

 

الثانية: الانفعال قد يخرج بطريقة نثرية مليئة بالصور والأخيلة والاستعارات والإيحاءات، وليس فيها موسيقى لا داخلية ولا خارجية، وهذا عند الغربيين يسمى أيضا شعرا، وهو قول له وجاهته، فالشعر هو الكلام البليغ المليء بالإيحاءات والاستعارات والصورة والأخيلة الذي يخرج في لحظات انفعال حاد.

الثالثة: بعض الشعراء يشبه الممثلين، بمعنى إنه يمتلك ذكاء لغويا حادا، وحاسة موسيقية مرهفة، ولكنه لا ينفعل بقوة، فيتقمص دور المنفعل، كما يتقمص الممثل في لحظة التمثيل الدور الذي أسند إليه، وهذا يكثر بدرجة أساسية عند الشعراء المداحين وفي أشعار المجاملات والمناسبات.

 ويُخشى على الشعراء الأصليين الذين يدخلون في مسابقات أن يبرز فيهم هذا الجانب على حساب الجانب الأصلي الذي هو الانفعال الحاد، فالمسابقات الشعرية يبرز فيها جانب العقل والحسابات والمعايير على حساب الجنون والانفعال الذي يتجاوز المعايير وحساباتها، والذي هو عنصر الشعر الأشد تأثيرا. 

الرابعة: علم البلاغة التقليدي الذي يُعنى بتقسيم البلاغة إلى علوم البيان والمعاني والبديع الأفضل للشاعر أن يبتعد عنه، ولا يقرب منه نهائيا؛ لأنه يحوّل العبقرية الإبداعية إلى صناعة، ولهذا فإنه من الخطأ الكبير أن يعتمد ناقد الشعر على معايير علم البلاغة أو أي معايير أخرى جاهزة عند تقييمه للشاعر، فالسر في الشعر الحقيقي أنه لا يعرف المعايير، وقلما تجد شاعرا يهتم بعلم البلاغة ويراعي المعايير إلا ونقصت بلاغته حتى تصير قصيدته مثل العسل المصنوع بأيدي بشرية، وهو بالتأكيد يختلف عن عسل النحل الصافي. 

وعلم العروض أيضا لا يحتاج إليه الشاعر المطبوع، لأن حاسته الموسيقية المرهفة هي أداة الاستشعار عنده وما ظهر علم العروض إلا بعد ظهور الشعر بزمان طويل.

 

وأختم الكلام بما روي عن أحمد شوقي الذي بايعه الشعراء بإمارة الشعر، يقال عنه أن الانفعال يأتيه في لحظة معينة ليس عنده أوراق لكتابتها فيكتبها على قميصه، وعلى هذا فإن الإمارة الحقيقية الشرعية هي التي يهبها الشعراء أنفسهم لواحد منهم، وليست الإمارة التي تضفيها لجان تحكيم من خارجهم، ولعله لهذا السبب لم تُنس إمارة أحمد شوقي ونسيت كثير من إمارات شعر بعده قلدتها لجان تحكيم تسير وفق معايير موضوعة سلفا.