السعودية واللعب مع الكبار

مقال الدكتور. عارف عبده الكلدي

السعودية واللعب مع الكبار

دخلت المملكة العربية السعودية إلى مرحلة جديدة يمكن تسميتها مرحلة اللعب مع الكبار.

يعد الموقف الصلب مؤخرا في قضية تخفيض إنتاج البترول -على الرغم من معارضة أمريكا في ظرف دولي خطير- مؤشرا على هذا الدور الجديد للمملكة، على الرغم مما يقال في بعض وسائل الإعلام من أن الأمر لا يعدو كونه من أجل الانتخابات الأمريكية القادمة إلا أن الأمر في الواقع أعمق من ذلك، فهناك عناصر عديدة تؤهل السعودية للعب دور محوري في النظام الدولي الحديث أذكر منها عنصرين أساسيين: 

الأول: أن السعودية صارت بالفعل زعيمة العرب، والعرب أمة كبيرة وعظيمة، وقد أشار المفكر الفرنسي جوستان لوبون إلى أن العرب هم المنافس الأقوى للأنجلوسكسون الماسكين بمركز النظام الدولي الحديث، وأن الأمم الكبرى مثل اللاتين والروس والترك والصينيين والهنود لا يمكن أن يبلغوا قوة العرب لو استطاع العرب ان يديروا شؤونهم إدارة حكيمة.

قبل أيام استمعت لبرنامج شاهد على العصر الذي سجله مذيع قناة الجزيرة أحمد منصور قبل حوالي عشرين سنة مع الأمير طلال بن عبدالعزيز آل سعود وهو رجل ذو عقلية فذة وثقافة متينة، ومما قاله الأمير أن مستقبل السعودية لا يمكن أن يكون إلا مع العرب، وذكر تاريخ العرب العظيم الذي يشمل الإسلام واللغة والحضارة، وذكر المساحات الزراعية الواسعة حوالي النيل ودجلة والفرات، والثروة البشرية الهائلة في مصر، وثروة جزيرة العرب، واقترح خطابا جديدا يتجاوز العاطفة العربية التي لا تتخاطب إلا باسم الأخوة العربية إلى خطاب جديد اسمه المصالح العربية المشتركة.

العنصر الثاني الذي أهل السعودية للعب دور الكبار أنها قد تجاوزت أكبر معضلة في بنيتها، والتي كان البعض يراهن عليها لتفكيك المملكة السعودية الثالثة، وهي انتقال الحكم إلى جيل الأحفاد.

وذلك أن المملكة بعد وفاة مؤسس الدولة السعودية الثالثة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن فيصل آل سعود صارت متعددة الأقطاب بين الأبناء، وقد نجحوا في تأسيس علاقات متوازنة بينهم البين، ولكن كان التخوف شديدا من اختلال هذا التوازن مع جيل الأحفاد.

لكن الملك سلمان تجاوز هذه المعضلة وخرج بالمملكة من عنق الزجاجة وحسم المسألة بصرامة وحزم بالغين فصارت المملكة حاليا متوحدة المركز.

يبدو من تشكيلة مجلس الوزراء الأخيرة أن الملك سلمان بعد أن ضمن توحد مركز الدولة وصل إلى تسوية مع آل عبدالعزيز من جهة ومع آل سعود من جهة أخرى ومع الشعب من جهة ثالثة، إذ نرى هذه الجهات الثلاث ممثلة في مجلس الوزراء بطريقة تؤشر إلى مرحلة جديدة من تاريخ المملكة السعودية الممتد حوالي أربعة قرون يصح تسميتها بالدولة السعودية الرابعة.

بقي أمام المملكة الجديدة قضية لابد من تجاوزها وهي مسألة حقوق الإنسان.

عندي تفاؤل كبير أن القمع الحالي للكلمة المبالغ فيه ليس إلا ضرورة اقتضتها مرحلة التحول نحو المرحلة الجديدة من تاريخ الدولة، وأنه سيتم تجاوزها حالما تستقر الأمور بصورة نهائية، وأن فترات الحكم بالسجن التي تصل إلى أرقام كبيرة في عدد السنوات ستنتهي قريبا حينما لا يكون هناك اي داع لها.