الفن بوصفه فعلاً نضالياً متجاوزاً ومولداً للهوية: قراءة فلسفية في تجربتي أيوب طارش وعبود خواجة
منصة حمير | مقال للكاتب: عبدالقادر زايد
إذا كان الفنان الكبير أيوب طارش قد قدّم للجمهورية واحدة من أعمق التجارب الفنية الوطنية المعاصرة، فإن عبود خواجه قد أنجز الدور نفسه، ولكن في سياق الثورة الجنوبية. كلاهما أصبح فاعلاً رمزياً أسهم عبر الفن في إعادة تشكيل الإنسان، والهوية، ومعنى الوطن.
على خلاف كثير من الغناء الثوري العربي الذي وقع في فخ الخطابة والشعار المباشر، اختار أيوب طارش طريقاً أكثر عمقاً وذكاءً. تعامل مع الأغنية بوصفها وسيلة تعبئة عبر العاطفة لا عبر الأوامر، وحوّل الحلم الوطني إلى إحساس شخصي، يشعر معه المستمع أن الوطن قضيته الخاصة. وهنا تكمن خطورته الثورية، فما يُغنّى في الوجدان يصمد أطول مما يُكتب في البيانات السياسية.
في المقابل، لا يمكن فهم تجربة عبود خواجه خارج هذا السياق التاريخي، لكنه مقترن بالتحولات لما بعد 1994، حين تحوّلت الهزيمة السياسية – العسكرية إلى جرح وجودي مفتوح. في تلك اللحظة، كانت القضية الجنوبية بحاجة إلى صوت يقول ما لا يُقال، ويغنّي ما لا يُسمح بغنائه، ويحوّل الألم إلى موقف. هنا وُلدت وظيفة هذا الفنان الكبير، وتحولت أغنيته إلى ضمير حيّ للحراك الجنوبي السلميّ.
في مراحل القمع والتضييق، حين أُغلقت المنصات وصودرت المسيرات، صارت أغاني عبود خواجه الثورية بمثابة منشور سياسي وبيان احتجاج وخطاب تعبئة، لكن بلغة بسيطة وألحان قريبة من الشارع، يتبنّاها البسطاء ويردّدها الشباب في الساحات. وهكذا أصبحت الأغنية بديلاً عن المنبر السياسي المصادَر. في خطاب خواجه الفني، الجنوب ليس مجرد مظلومية أو قضية حقوق قابلة للتسوية، بل هوية مسلوبة، وكرامة منتهكة، وذاكرة تُستعاد بالقوة الرمزية.
وهنا يتجاوز الغناء السياسي التقليدي إلى مستوى التحرر الوجودي. يستخدم التاريخ، والرموز، وأسماء الشهداء، وصور المدن والساحات، بوصفها إعادة تسليح للذاكرة في مواجهة الطمس والتذويب؛ لا حنيناً رومانسياً. لأن "من يملك الذاكرة، يملك شرعية المستقبل"، مثلما يقول شاعر القضية الفلسطينية الكبير محمود درويش.
وإذا كانت تجربة أيوب قد تجاوزت حدود الغناء إلى مجال الفعل التاريخي وبناء الوعي الجمعي، حيث لم يكن صوته أداة طرب فحسب، بل كان في المقام الأول أداة وعي. فمنذ ظهوره في زمن الاستعمار، والإمامة، والانقسام، وبدايات تشكّل الدولة الوطنية، لم يغنِّ عن الوطن، بل غنّى الوطن نفسه، أرضاً، وإنساناً، وجرحاً، وأملاً. وتحوّل صوته إلى ذاكرة جمعية؛ يستمع إليه اليمني فيشعر أنه يسمع ذاته، لا فناناً منفصلاً عنه.
فإن لــ عبود خواجه تجربة خاصة لا تقل أهمية وتأثيراً. على أنها جاءت أكثر حدّة وانفعالاً، محكومة بإيقاع اللحظة الثورية وضغطها، فبدت ألحانه أقل تجريداً وأكثر مباشرة، لكنها لا تقل قيمة من حيث وظيفتها التعبوية والوجدانية، إذ إنّ هذا الاختيار الجمالي لم يكن نقصاً فنياً، بل استجابة واعية لسياق نضالي يتطلّب وضوحاً، وسرعة وصول، وقدرة على التحريض، قبل أي ترفٍ جمالي خالص.
فقد تطوّرت هذه التجربة من الحزن إلى الغضب، ثم إلى الوضوح السياسي، فانتقلت بذلك الأغنية الثورية الجنوبية من توصيف الألم إلى تسمية العدو، ومن وعي الضحية إلى وعي الفاعل التاريخي. وفي أعماله اللاحقة، أصبح التحرر خياراً وجودياً وقراراً يُدفع ثمنه، لا أمنية مؤجَّلة.
حتى في مرحلة تشظّي الخطاب، واختلاط الثورة بالسلطة، وتعب الشارع من الاصطفافات، برز عبود كنموذج ثوري نادر حافظ على انحياز أخلاقي ثابت لقضيته الأولى، من دون تزييف أو انتهازية، محتفظاً بمسافة نقدية من كل التحولات، ما منحه شرعية رمزية مستمرة حتى في لحظات الالتباس والانقسام.
تُوِّج أيوب مشروعه الفني الرمزي بتلحينه وأدائه للنشيد الوطني "رددي أيتها الدنيا نشيدي"، الذي كرّسه ضميراً وطنياً لا يشيخ، لأنه لم يكن ابن لحظة سياسية، بل ابن معنى. كانت هذه هي الذروة الأيوبية، في جوهرها ومضمونها، حيث جاءت أشبه باعتراف تاريخي بأن هذا الصوت هو الأجدر بحمل فكرة الجمهورية والدولة من دون أن يفقد روح الشعب.
على الضفة الأخرى، وفي سياق مختلف لكنه متقاطع في الجوهر، سرعان ما تحولت أغنية الخواجة إلى مكوّن عضوي في بنية القضية الجنوبية الرمزية والوجدانية نفسها، لا مجرد أنشودة للحراك الثوري. عبّر صوته عن تحوّل الجنوب من التذمّر الصامت إلى الوعي السياسي المفتوح، ومن الشكوى الاجتماعية إلى الخطاب التحرّري الواضح.
لقد أدّى دور المثقف العضوي بالمعنى الغرامشي، مقدّماً مشروعاً فنياً ثورياً له وظائف فنية وسياسية ونفسية وفلسفية، ممتداً من لحظة ما بعد حرب 1994 وصولاً إلى الراهن المأزوم والمعقّد.
من منظور عام، يمكن تصنَّيف أيوب طارش وعبود خواجه ضمن ما يُسمّى في علم الاجتماع السياسي للفن"الفاعلين الرمزيين"، أولئك الذين يشاركون في صناعة التحوّلات الكبرى عبر الرمز، لا عبر السلاح أو المنصب. فكلاهما لم يزيّن الثورة، بل عاشها، وحوّل الأغنية إلى أداة تعبئة وجدانية، وبناء هوية، وإعادة تعريف للذات الجماعية.
أما من منظور علم الأصوات النفسية، فينتمي صوت أيوب إلى ما يمكن تسميته "الصوت الأخلاقي": أداء صادق، غير استعراضي، يخدم المعنى ولا يطغى عليه، فيبدو كأن الوطن نفسه هو من يتكلم. أما حنجرة عبود، فهي خشنة نسبياً، غير مصقولة استعراضياً، لكنها مشحونة بصدق انفعالي يجعلها لسان حال الشارع لا صوت الصالون، أي أداة مقاومة نفسية قبل أن يكون أداءً فنياً.
جمالياً، حقّق كلا الفنانين معادلة نادرة: البساطة الظاهرة والعمق الثوري. ألحان سهلة التلقّي، لكنها مشيّدة على بنى موسيقية محلية أصيلة، مع رجحان كفّة أيوب شيئاً ما، على اعتبار أنّ العلاقة العضوية بين اللحن والكلمة في تجربته بلغت مستوى أعلى من التكامل والكثافة الدلالية، ولا سيما حين نقف عند تجربة الشاعر الفضول – عبدالله عبدالرهاب نعمان – بوصفها تجربة شعرية متجاوزة ومتقدمة، ثورياً وفنياً ومعنى.
فقد أسهم هذا التزاوج الخلّاق بين النص واللحن في إنتاج أغنيات أشد التصاقاً بالمعاني الرفيعة والمتجاوزة، حيث انصهرت الفكرة الوطنية في صياغة جمالية هادئة وعميقة، لا تستدعي الصراخ، ولا تستعير حدّتها من الظرف السياسي المباشر، بل من رسوخ المعنى نفسه واستقراره في الوجدان.
استخرج أيوب موسيقاه من الجغرافيا اليمنية نفسها: إيقاع يشبه خطى الفلاح في المدرجات، وجُمل لحنية تصعد وتهبط مثل الجبال، وتكرار موسيقي يحاكي الزمن الزراعي ودورة الحياة. لذلك بدت موسيقاه غير قابلة للاقتلاع أو التقادم.
وبطريقة مماثلة، عمد عبود إلى استلهام موسيقاه من البيئة الجنوبية ذاتها: الإيقاع العدني–اللحجي–الأبيني–اليافعي، والنَّفَس الساحلي المفتوح، والحزن البحري المتمرّد. موسيقى غضب منضبط، وحزن واعٍ، وتمرد يعرف ما يريد، لا صخباً عبثياً ولا حداثة مقطوعة الجذور.
خلاصة القول.. الفنان العملاق أيوب طارش يمثّل مشروعاً ثقافياً تحررياً أسهم في بناء الوعي اليمني، وكرّس الفن أداة مقاومة وملاذ هوية وجسراً بين الألم والأمل. وإذا كان هو صوت اليمن في لحظة تشكّل الدولة والجمهورية، فعبود خواجه هو حنجرة الثورة الجنوبية في لحظة استعادة الذات. الأول وحّد وهدّأ وأسس، والثاني أيقظ وحرّض وفكّك خطاب الهيمنة وشيد ملامح الأغنية الثورية الجنوبية بهويتها المستقلة.
كلاهما، في النهاية، استخدم الفن بوصفه أداة وعي لا زينة وطنية، وصنع من الأغنية فعلاً تاريخياً لا يُستهلك زمنياً، لأنها ابنة الألم الحقيقي، وصوت الشارع، ومرآة الإنسان وهو يعيد تعريف نفسه.
