المونديال.. العودة إلى القبيلة

منصة حمير | مقال للكاتب: عمر محمد العمودي

المونديال.. العودة إلى القبيلة

لم يكتب التاريخ الكروي قط منذ انطلاق النواة الأولى للمونديال قبل قرن، عن فوز منتخب بكأس العالم يشرف عليه مدرب أجنبي. هذه الحقيقة الرقمية إذا تأملناها مليًا تتجاوز حدود المصادفة الإحصائية لتغدو ظاهرة سوسيولوجية تستحق التشريح. قد يقول البعض بأن نسبة المدربين المحليين عبر التاريخ تمنحهم الأرجحية المنطقية، لكن المساحة الفاصلة بين التكتيك والانتماء تفتح أفقًا واسعًا للذهاب بعيدًا عن لغة الأرقام الجافة. فهل المسألة أزمة لغة أم صرخة هوية؟

في الملاعب الأوروبية يمكن لفتى أسمر تشكلت موهبته في أقصى القارة الأفريقية، أن يرتدي قميص ناد انجليزي، ليتلقى التعليمات التكتيكية من مدرب إسباني، فيودع الكرة برأسه في شباك حارس إيطالي.. 

هذا الكوكتيل ينجح ويزدهر ويدر المليارات.. لأن الأندية في نهاية المطاف ليست سوى شركات رأسمالية، ومؤسسات براغماتية.. لكن في المونديال يختلف الأمر، في كأس العالم نرى نوعًا من القومية المشروعة والمحبوبة تمارس أمامنا علنًا، فنصفق لها بمليار حنجرة. 

تبدي كرة القدم هنا ارتدادا وثنيًا نحو القبيلة، حين تشترط بقانون غير مكتوب، ألا يرفع الذهب في نهاية المطاف إلا منتخب يقوده عقل رضع ذات الحليب الذي شربه المهاجم الذي يسجل هدف الفوز. 

هي الحرب، وإن كانت تقتصر على مستطيل عشبي أخضر. والحرب لا يقودها بنجاح إلا من يتقاسم مع الجنود ذات الخوف من الفناء، وذات المجد في البقاء. والاستعانة بمدرب أجنبي في المونديال تشبه في العقلية القبلية أن تستأجر جيشًا من المرتزقة لحماية شرف القبيلة.

إذا تأملنا الفائزين بالنسخ الأخيرة سنرى أنهم كانوا تجسيدًا لأرواح أممهم.. تأمل ملامح ليبي في اللقب الأخير للطليان، لقد كان أشبع بعراب Don خروج من روايات المافيا، يحمل سيجاره الفاخر ونظراته الحادة، ليذود عن كبرياء إيطاليا التي كانت تحترق حينها بفضائح المراهنات. 

وحين عبرت هذه الكأس إلى مدريد في النسخة التي تليها كانت بحاجة إلى وقار ديل بوسكي، ذلك العجوز الذي يشبه في ملامحه الهادئة وشاربه الكث أجدادًا قشتاليين قدامى. كان يدير اللاروخا كأنه يرمم كنيسة أثرية، ببرود وأبوّة وانتماء هادئ يمتص صراعات برشلونة ومدريد ليصهرها في بوتقة الهوية الإسبانية الفاخرة.

أما الألماني لوف فقد فكك أسطورة الماكينات الجافة بفانيلته الكحلية المشمرة الأكمام، كان يبدو كمهندس يشرف على ضبط توربينات في مصنع بشتوتغارت. 

وفي فرنسا تجلى ديشامب كنسخة كروية من قادة الثورة الفرنسية، رجل حذر وعملي يعرف كيف يقود كتيبة مدججة بالتنوع العرقي والثقافي في باريس، وذلك عبر غرس غريزة الفوز الفرنسية الصرفة التي تذوب فيها كل الفوارق بمجرد سماع المارسيليز.

وحتى عندما أرادت كرة القدم أن تنصف ميسي لم تختر له بروفيسورًا عابرًا للقارات، لقد وضعت في مصيره ليونيل سكالوني، رجل يأتي إلى الملعب دون ربطة عنق، يرتدي بدلة التدريب الزرقاء البسيطة، ويبدو في الممر كأن فرد من الطاقم أو حامل كرات.. هذه البساطة البامبوية جعلت اللاعبين يرونه كأخ أكبر، لأن سكالوني قبل قدراته الفنية يفهم معنى الغيتو الأرجنتيني، ويعرف أن التكتيك يبدأ من صرخة طفل في أزقة روساريو، وليس من ملازم الأكاديميات الأوروبية.

لا يعني هذا أن المدرب المحلي يجد الطريق أيسر، لكنه يجده أنسب. فبينما يقضي المدرب الأجنبي نصف وقته في فك شفرات السيكولوجية الجماعية لغرفة الملابس، وتحييد الصراعات الثقافية للاعبين، يكون المدرب الوطني قد تجاوز هذه المرحلة من اللحظة الأولى، وبدأ مباشرة في شحن العواطف. المدرب الوطني يدير حالة نفسية، بينما يحاول المدرب الأجنبي إدارة مشروع تكتيكي.. لكن المونديال يكره المشاريع، لأنه ابن اللحظة العبثية الخاطفة.. المونديال بطولة طوارئ عاطفية تُلعب في شهر واحد، وهذا وقت لا يتّسع للمحاضرات، يتسع فقط للومضات النفسية السريعة.

لكننا اليوم نقف أمام نسخة مونديالية تبدو وكأنها غزوة العولمة الأخيرة، للإطاحة بنكهة الدماء النقية. إنها مواجهة مباشرة بين حتمية التاريخ وطموح المال والخطط العابرة للحدود. حيث تدخل المونديال أبرز المنتخبات المرشحة هذه النسخة بمدربين أجانب. 

يا للمفارقة الساخرة، مهد كرة القدم، البلد الذي ينضح بالاعتزاز بالذات يستعين بتوخيل ابن المانشافت ليعيد صياغة الهوية الإنجليزية. 

وفي الضفة الأخرى من الأطلسي تمارس العولمة أقصى درجات جرأتها، البرازيل التي طالما اعتبرت كرة القدم امتدادًا لدمائها الحارة، تقف اليوم تحت إمرة رجل من شمال إيطاليا البارد المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يحاول أن يضع خلاصة الميكافيلية الإيطالية في أقدام فتيان الكوباكابانا الذين يمثلون أمة تعيش على حافة الانفجار العاطفي، حيث اللعبة لديهم هي الموت أو الفرح الهستيري. بينما يمثل أنشيلوتي ذروة الرواقية واللامبالاة!

أما البرتغال بجيلها الذهبي المعاصر، فقد ألقت بمفاتيح خزائنها لذكاء إسباني متمثل في روبرتو مارتينيز. الرجل الذي يتحدث الدبلوماسية بطلاقة، ليدير كوكبة من النجوم بعقلية مهندس العلاقات العامة، محاولًا زرع النظام في أرض البرتغال التي طالما تمايلت بين العبقرية الفردية والانكسار الجماعي المفاجئ.

إنها المعركة الكبرى، هل تنجح الرأسمالية الكروية العابرة للقارات في شراء روح المونديال؟

لن يشكك أحد في براعة توخيل، ودهاء كارلو الإداري.. لكن المونديال طقس يعيد البشرية إلى ما قبل الحداثة. المنتخبات ليست كالأندية، وباقي البطولات لا تشبه المونديال. في النادي اللاعب موظف، وفي المونديال اللاعب مجنّد.. والمجندون لا يساقون إلى المعارك المصيرية بأوامر مهندس استشاري يحمل جواز سفر مغايرًا..

ماذا لو لم تكن القضية تكتيكًا ولا لغة، ماذا لو كانت لعنة ميتافيزيقية؟ ماذا لو كان للمونديال طقوسًا سرية منها رفضه للغة المترجمة؟

في اللحظات الحاسمة الحاضنة للمصير، أو في الأشواط الإضافية، عندما تتصلب العضلات وينقطع الأكسجين عن الدماغ، لا يعود للاعب قدرة على معالجة الخطط المعقدة. في تلك اللحظات يحتاج إلى شتيمة محلية بذيئة ومحفزة تعيد شحن خلاياه العصبية وتوقظ جيناته الخاملة. 

هذه الكأس تحديدًا تلجأ دائمًا لمن يتحدث لغة الغريزة.. والغريزة لا تُترجم أبدًا.

إلا إذا.. سقطت هذه النسخة في قبضة الغرباء.