نظرة في التصوف

نظرة في التصوف

كتبه | الكاتب. مبارك الباشا 

التصوف في جوهره طريق استقامة وعدل صارمين، يتطلب نفيا للذات (الأنا الحاجبة) لاستجلاب الوجود الأصيل والحق والجوهر.طرقه كثيرة طبعا، لكنه خلال القرنين الأخيرين غدا مجرد شعوذة وأشكال من دجل كثير.

التصوف هو نهج محقق للوجود الإنساني بأفضل كمال له. هناك طاقات خلاقة في الإنسان تظل كامنة ويجهل استخدامها إلى أن يتبع تلك الاستقامة والعدل الذاتي الموصلان لما عُرفت بحالة التصوف تلك. 

الواقع أن التصوف هو حالة وجود أمثل وأكمل كان يجب أن يكون عليها الجميع لا أن تصبح مجرد طريقة أو منهج، ذلك أن فيها تصبح كل الطاقات الإنسانية فاعلة ومتحققة وهي تصل الظاهر بالباطن، وفي ذلك تكمن الوفرة الإنسانية كلها.

تقريبا، كل الطقوس الدينية، الصلاة والصيام والحج والزكاة؛ هي وسائل أو رياضات لحشد طاقات النفس من أجل الوصول لتلك الحالة الزكية "التصوف". أيضا، لا يجب أن يكون التصوف طريقة تقشف وزهد كلي عن الحياة، رغم أن هذا لا يتنافى مع التصوف. 

أظن التحدي الأهم الذي هدف الإسلام لتحقيقه كان في نجاح الفرد المؤمن في تحقيق تلك الحالة الرفيعة من السمو الروحي "التصوف"، التي تتيح له الاتصال بالغيبي وفي نفس الوقت احتفاظه بصلته بالواقع والحياة اليومية. هناك طرق من التصوف تفصل المرء عن الحياة اليومية، وهي ليست خاطئة، نجدها لدى الكثير من الزهاد المسلمين الذين اعتزلوا الحياة ونذروا وجودهم كله للمطلق، للغيبي، وتطلب منهم ذلك إنكار هذه الحياة بشكل كلي.

لكن التحدي الأهم هو كيف يحقق المؤمن هذه الحالة الروحية الرفيعة دون أن يفقد صلته بالحياة اليومية؟ كيف يجمع الظاهر بالباطن؟ نجد خير أمثلة على ذلك في الصحابة الأوائل كأبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب، نجد فيهم تحقُقا كليا للوجود الروحي "التصوف"، وفي نفس الوقت النجاح في الحياة المعيشية اليومية. أتذكر قصة لعمر بن الخطاب حينما كان خليفة، وبينما كان يخطب في الناس لصلاة الجمعة إذا به يهتف فجأة "يا سارية الجبل"، وكان ذلك هو سارية بن زنيم، وقد كلفه الخليفة بقيادة معركة ما ضد الفرس. كان عمر يرى المعركة عن بُعد وهو ماكث في المدينة ولما رأى أن جيشه يكاد يُهزم هتف "يا سارية الجبل" فاعتصم الجيش بالجبل وانتصر في المعركة كما يُروى.

كانت هذه إحدى الشواهد على حالة الكشف والاتصال الباطني الذي توفر للخليفة عمر، وكانت ثمرة لمسلك "التصوف"، جمع الخليفة الظاهر بالباطن في آن، كان يحكم ويدبر شؤون الناس اليومية وفي نفس الوقت كان يحلق في العوالم الروحية الباطنية الواهبة للكشوف موائما بين الجانبين، الظاهر والباطن، وتلك هي الطريقة التي أراد الإسلام أن يُكسبها للبشر.

لقد خلق المسلمون إمبراطورية في ذلك الزمن، وبالنظر إلى الأسباب المادية فإن ذلك لم يكن ممكنا بأي حال، لكن الذي حدث هو أنهم تمكنوا من تحقيق نموذج الوجود الأكمل الذي وفره لهم الإسلام، لقد استمدوا القوة من مصدرها الأول وبالتالي لم تتمكن قوة من الصمود أمامهم.

في المجمل، أظن ذلك هو مقصد الإسلام النهائي، تحقيق وجود إنساني ذو اتصال بالمصدر الأول، المطلق، الله، وخلق حضارة أو حياة بشرية رفيعة، والأول يسند الثاني تلقائيا.

التصوف يقع في القلب من كل هذا، التصوف بمعنى توفر إمكانية الكشف أو الاتصال الباطني للمرء على المستوى المعرفي والطاقي، الاتصال الباطني بالمصدر الأول أو الامتداد الغيبي غير المادي للإنسان، بذلك يحقق البشر وجودهم الأمثل.

على أن الوصول لحالة التصوف على ذلك النحو ليس سهلا بالطبع، يتطلب الأمر مجاهدات كثيرة للنفس والهوى لإزالة الحُجب وتفكيك المعيقات أمام الروح، وذلك بامتثال درب استقامة وعدالة يتطلب إرادة من حديد، لكن الثمن يكون مجزيا وهو الفلاح.

رغم كل هذا فإن أكثر ما يُربكني ويدهشني في التصوف هو جانبه المعرفي، فيه نظريات وكشوف وحدوس روحية كثيرة وغريبة عن الله وعن الإنسان والوجود، لكنها مُلامسة للأعماق وحقيقية أكثر من أي معرفة عقلية أخرى. تصيب المرء بالجنون، أقرأ لابن عربي مثلا فأصاب بالوجيف وأشعر بغبطة بما لا يُقاس. 

 

مبارك الباشا