يافع… من مجد الحضارة إلى وهج القارة
منصة حِمير : مقال للدكتور أحمد سمير
في أعالي جبال اليمن، حيث تلامس القممُ السحاب، وتنسج الطبيعة لوحتها الخالدة، تقف يافع شامخة، كأنها قطعة من التاريخ تسكن الزمن وتروي حكايات المجد والأصالة. هي أرضٌ لم تعرف الانكسار، ومجتمعٌ حافظ على هويته، وعمارةٌ حجريةٌ تشهد على عراقة المكان ورسوخ الإنسان فيه.
حضارة يافع ليست وليدة اللحظة، بل هي نتاج قرون من الثبات والعطاء. تتجلّى في قلاعها الحصينة ومنازلها الشاهقة ذات الطابع الهندسي الفريد، والتي بُنيت على رؤوس الجبال لتكون رمزًا للفخر والكرامة. في يافع، لا تنفصل الجغرافيا عن التاريخ، فكل حجرٍ في دربها، وكل جدارٍ من بيوتها، يروي قصة شعبٍ صامد، عزيز، لا ينحني إلا لخالقه.
وسط هذا المجد التاريخي، ينبثق مهرجان القارة السنوي، لا كفعالية احتفالية فحسب، بل كحدثٍ يُجسّد هوية مجتمعٍ بأكمله. إنه نافذة على التراث، ومنصة يتلاقى فيها الماضي بالحاضر. يجتمع الناس من مختلف المناطق، يحملون في وجوههم ملامح الفخر، وفي قلوبهم حب يافع، ليحيوا تفاصيل هذه الحضارة، ويغنّوا للأرض التي لا تشيخ.
تبدأ فعاليات المهرجان بعروض الزوامل والقصائد الشعبية، حيث تتردد أصداء الشعر القبلي في الأرجاء، كأنها نداء من الأجداد لأحفادهم بالمحافظة على ما تبقّى من الجذور. تتناغم الأهازيج مع إيقاع الطبول ورقصات البرع، لتصنع مشهدًا فنيًا ينطق بروح المكان، ويعيد الحياة لصفحات التاريخ.
يمثل مهرجان القارة مساحة تلتقي فيها الأجيال، فيتعلم الصغار من الكبار، ويستمع الحاضرون إلى حكايات النضال، وتاريخ المشيخات، وأمجاد القبائل. تُعرض فيه الصناعات التقليدية التي حافظ عليها أبناء المنطقة، من التطريز إلى الحدادة، وتُقام فيه ندوات تُعنى بالتاريخ والهوية، لتعميق الوعي وتعزيز الانتماء.
ليس المهرجان احتفالًا عابرًا، بل هو انعكاس لثقافة متجذرة في الأرض والوجدان. هو دليل على أن حضارة يافع لا تزال تنبض بالحياة، وأن أبناءها ماضون في حماية هذا الإرث، والاعتزاز به كدليلٍ على من هم، ومن أين جاؤوا، وإلى أين يسيرون.
وهكذا، تبقى يافع شامخةً، ويظل مهرجان القارة صدىً سنويًا يعيد صياغة العلاقة بين الأرض وأهلها، ويجعل من التاريخ حيًّا لا يُنسى، بل يُحتفى به ويُصنع في كل عام من جديد.
