عدن… لحظة بناء لا تحتمل التشويش
منصة حمير | مقال للكاتب: فارس النجار المستشار الاقتصادي لمكتب رئاسة الجمهورية
عند الحديث عن عدن اليوم، لا يجوز اختزال النقاش في انطباعات أو سجالات سياسية عابرة، بل يجب الانطلاق من لغة الأرقام والوقائع، لأنها وحدها القادرة على توصيف الواقع وتحديد مسار الحلول.
منذ انقلاب مليشيات الحوثي في 2015، تعرّضت العاصمة عدن لضرر واسع في بنيتها التحتية الأساسية.
فوفق تقييمات البنك الدولي، تضرر نحو 65% من البنية التحتية المرتبطة بقطاع الكهرباء، وهو ما انعكس في انقطاعات طويلة ومتكررة أثّرت مباشرة على النشاط الاقتصادي، والخدمات الصحية، والقدرة التشغيلية للمدينة.
وفي قطاع المياه والصرف الصحي، تشير تقارير أممية إلى أن ما يقارب 55% من الشبكات تعرضت لأضرار جزئية أو كلية، ما رفع كلفة الحصول على المياه وخلق ضغوطًا إضافية على الصحة العامة.
أما القطاع الصحي، فقد خرج أكثر من 40% من مقدمي الخدمات الصحية عن الخدمة، بحسب منظمة الصحة العالمية، وهو ما عمّق فجوة الوصول إلى العلاج ورفع الإنفاق الصحي الخاص على الأسر.
وفي قطاع التعليم، أظهر تقييم أولي للبنك الدولي أن نحو 38% من البنية التحتية التعليمية في عدن تضررت بعد 2015، الأمر الذي انعكس على القدرة الاستيعابية للمدارس، وجودة العملية التعليمية، واستمرارية التعليم في المدينة، وأعاد هذا القطاع إلى نقطة تتطلب تدخلًا إنمائيًا حقيقيًا لا حلولًا مؤقتة.
في هذا السياق، جاء الإعلان عن حزمة 28 مشروعًا ومبادرة تنموية بقيمة 1.9 مليار ريال سعودي بدعم من الأشقاء في المملكة العربية السعودية، كتحوّل مهم من إدارة الأزمات إلى مسار التعافي وإعادة البناء. وقد شملت المشاريع المعلنة لصالح عدن قطاعات محورية، أبرزها:
1- تخصيص ميزانية تشغيلية لمستشفى الأمير محمد بن سلمان لمدة 3 سنوات
2- إنشاء محطة تحلية مياه في مدينة عدن،
3- تنفيذ المرحلتين الثانية والثالثة من تأهيل مطار عدن الدولي،
4- تنفيذ مشروع الطريق البحري والتقاطعات المرتبطة به،
5- إنشاء المجمع الحكومي والمجمع الرئاسي،
كما شملت الحزمة قطاع التعليم الأساسي، من خلال برنامج بناء المدارس في المناطق المحررة، والذي يتضمن إنشاء 30 مدرسة، سيكون نصيب عدن منها عدد من المدارس
ويبرز مستشفى الأمير محمد بن سلمان في عدن كنموذج عملي لأثر هذه المشاريع على الأرض.
فوفق بيانات صادرة عن البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، فقد قدّم المستشفى خلال الفترة من يناير 2023 وحتى يوليو 2024:
1- أكثر من 1.5 مليون استشارة وخدمة طبية.
2- ونفّذ ما يزيد عن 8,700 عملية جراحية.
3- منها نحو 440 عملية متقدمة مرتبطة بأمراض القلب.
هذه الأرقام تعكس حجم الضغط الصحي الذي كانت تعانيه عدن، وتُظهر في المقابل كيف يمكن لمشروع صحي واحد مُدار بكفاءة أن يخفّف العبء عن بقية المستشفيات، ويقلّل كلفة العلاج على المواطنين، ويُعيد جزءًا مهمًا من الثقة بمنظومة الخدمات العامة.
اقتصاديًا، فإن هذا المستوى من الخدمات لا يُعد إنجازًا إنسانيًا فقط، بل استثمارًا مباشرًا في رأس المال البشري ورافعة لخفض الإنفاق الصحي الخاص ورفع إنتاجية المجتمع.
وإلى جانب ذلك، أُعلنت منحة مشتقات نفطية بقيمة 200 مليون دولار لتوفير نحو 250 ألف طن متري من الوقود لتشغيل أكثر من 70 محطة كهرباء، وهو تدخل حاسم منع انهيار منظومة الكهرباء، وخفّض ساعات الانقطاع، وقلّص الخسائر الاقتصادية اليومية التي كانت تتحملها المدينة.
اقتصاديًا، هذه المشاريع لا تعني إنفاقًا ماليًا فقط، بل تعني:
1- خفض كلفة الخدمات الأساسية.
2- تقليل خسائر التعطّل والانقطاع.
3- تحسين بيئة الأعمال والاستثمار،وتهيئة عدن لاستعادة دورها كمركز إداري وخدمي واقتصادي.
وإلى جانب المشاريع التنموية والبنية التحتية، شمل الدعم أيضًا معالجات مالية مباشرة لتخفيف الضغوط على المالية العامة وتعزيز الاستقرار.
إذ جرى تقديم دفعة من المنحة الخاصة بدعم موازنة الدولة تُقدّر بنحو 90 مليون دولار، خُصصت للمساهمة في دفع الأجور المرتبطة بالقطاعين المدني والعسكري، بما ساعد على تقليص فجوة الرواتب، كما قُدّم دعم إضافي بنحو 314 مليون ريال سعودي للمساهمة في سداد الرواتب المتأخرة للتشكيلات والوحدات العسكرية في المحافظات الجنوبية والساحل الغربي وغيرها، وهو إجراء كان له أثر مباشر في تعزيز الاستقرار الأمني والحد من الضغوط المعيشية على منتسبي هذه الوحدات.
اقتصاديًا، لا تندرج هذه التدخلات ضمن إطار الدعم الاستهلاكي فقط، بل تمثل أداة استقرار مالي واجتماعي، إذ تسهم في:
1- تحسين القدرة الشرائية.
2- تنشيط الطلب المحلي.
3- تقليل الاحتقان المرتبط بتأخر الأجور.
لكن في المقابل، تبقى المخاطر قائمة إذا لم يُواكب هذا المسار التنموي استقرار سياسي وأمني، وحماية فعلية للمشاريع، ومنع أي محاولات لتسييس الشارع أو تعطيل مؤسسات الدولة.
فالتنمية لا تزدهر في بيئة مضطربة، والاستثمار لا يأتي في ظل عدم اليقين.
الخلاصة أن عدن اليوم تقف أمام لحظة بناء حقيقية:
الدعم موجود، المشاريع معلنة، والاحتياج واضح بالأرقام.
والمسؤولية تقع على الجميع في حماية هذا المسار، وتغليب المصلحة العامة، ودفع المدينة نحو التعافي، لا إعادتها إلى مربع الاستنزاف.
عدن لا تحتاج المزيد من الفوضى
بل تحتاج استقرارًا، تنفيذًا، وحماية لمسار البناء.
خالص التحية.
