أمل الراتب قصة قصيـرة
منصة حمير - مقال للكاتب: منيف خالد
كان أحمد يعدّ الساعات كما يعدّ الغريق أنفاسه الأخيرة عيناه معلّقتان بهاتفه ينتظر رسالة أو اتصالاً من أحد أصدقائه يبشّره بأن الراتب قد صُرف لم يكن ينتظر مالاً فحسب بل كان ينتظر طمأنينةً لقلبه، وكسرة خبزٍ تسدّ جوع أطفاله وفرحةً صغيرة قبل حلول رمضان بأيام قليلة في ليلة الخميس رنّ الهاتف ارتجف قلبه إبتسم رغم تعبه وقال في نفسه "لعلها البشرى… لعل الله فرّجها فتح الخط سريعاً وصوت الأمل يسبقه — "هاه، بشرنا؟" لكن الصوت في الطرف الآخر كان ثقيلاً… مثقلاً بالخيبة — "للأسف يا أحمد… الراتب ما نزل. والوضع شكله ما بيتحسن." ساد الصمت شعر أحمد كأن شيئاً انكسر داخله. خفّض صوت الهاتف خشية أن تسمع زوجته الكلمات التي مزّقت قلبه أنهى المكالمة وبقي جالساً ينظر إلى الفراغ كان قد خطط لكل شيء مستلزمات رمضان بعض الطعام ملابس بسيطة للصغار لم يتبقَّ على الشهر الكريم سوى خمسة أيام دخلت زوجته بهدوء تقرأ الحزن في عينيه دون أن يسألها أحد. كانت تشاركه الألم
بصمت وفجأة، ركض طفلاه نحوه بفرح — "بابا! باقي أربعة أيام على رمضان! اليوم قلت بتودّينا السوق! ابتسم لهم ابتسامة مكسورة… ولم يجب في صباح اليوم التالي استيقظ أحمد وكأنه خرج من بحرٍ كاد أن يغرقه استيقظ واستيقظ معه الهم نظر حوله… لم يكن في البيت إلا أوانٍ فارغة، وجوعٌ صامت يسكن البطون الصغيرة همس لنفسه "يا رب ماذا أفعل؟ إلى من أذهب؟ كيف يمرّ يومي وأنا عاجز عن توفير أبسط شيء لعائلتي؟"اقترب من النافذة، والدموع تملأ عينيه تذكّر أصوات أطفاله وهم يرددون "رمضان جاء ولم تفِ بوعدك يا أبي وضع رأسه على الجدار علّ الصلابة
تهدّئ ضعفه لكن الخيبة كانت أقسى قرر أن يطلب العون ذهب إلى أحد أقاربه يستدين مبلغاً بسيطاً فوعده إن نزل الراتب أن يسدده فوراً لكن القريب اعتذر فمصير الرواتب أصبح مجهولاً اتجه بعدها إلى البقالة التي تراكم دينه فيها قال بخجل "اصبر عليّ يومين بس " لكن صاحب البقالة صرخ بوجهه — الحساب كبر يا أحمد! إذا ما سددت بكرة، أوصلك السجن! ارتجف أحمد. لم يكن ينقصه إلا هذا عاد إلى منزله مثقلاً أكثر مما خرج جلس أمام زوجته وقال بصوت مكسور — "يمكن بكرة أروح أسلّم نفسي…" تجمّدت الكلمات في حلقها. كانت تظن أنه ذهب ليستلم الراتب وأنه يخفي عنها مفاجأة جميلة لكن الحقيقة كانت أقسى من كل توقع حلّ المساء ثقيلاً الأطفال صامتون على غير عادتهم زوجته بدأت تجمع الأغراض
استعداداً للذهاب إلى بيت أهلها إن سُجن أحمد وفي اللحظة التي كاد اليأس يكتمل فيها… رنّ الهاتف نظرت الزوجة إلى الشاشة… رسالة قصيرة "تم إيداع الراتب يرجى التوجه للاستلام." صرخت بأعلى صوتها — "أحمد! الراتب!" نظر إليها متعباً — "أي راتب يا امرأة؟" أعطته الهاتف قرأ الرسالة مرة… مرتين… وكأنه لا يصدق وفي اللحظة نفسها، اتصل صديقه — "أحمد! الراتب نزل الآن!" لم يتمالك نفسه. انفجر بالبكاء — "الحمد لله… الحمد لله يا رب! سجد شكراً وضمّ أطفاله بقوة وكأن الحياة عادت إلى صدره ابتسم لأول مرة منذ أيام، وخرج مسرعاً ليستلم راتبه لم يكن المال كثيراً لكنه كان كافياً ليعيد لأحمد كرامته ويمنح أسرته رمضاناً بلا سجن… وبلا انكسار
