في حضرة أمي.. صباحٌ من ذاكرة القرية
منصة حمير | مقال للكاتب الصقر الهدياني
آخر مرة استيقظتُ عند الغبش كانت قبل سبعة أعوام، لم أعد أتذكر نسيم الصبح، ونسيتُ تمامًا وجه الشمس البارد عند شروقها، وفقدتُ لمنظر الدخان وهو يتصاعد من المطابخ القديمة في كل بيت ورائحة الخبز وهي تبتز جوع البطون.
فعلتها اليوم، أيقظتني أمي عند الخامسة والنصف صباحًا، سخّنت لي الماء، اغتسلتُ وصليت، أشارت علي أن أرتدي ملابس ثقيلة، أخبرتها أنه الصيف، لكنها أصرت، لبستُ ما أرادت أمي طوعًا، أمسكتْ بيدي ومضينا نحو الوادي، الله ما أجمل صوت العصافير وطنين النحل وقت البكور.
الأرض سجادٌ أخضر، والقرية حسناء ترفل عند التل بغنجها، تسابقتُ مع أمي، لكن أنهكها العجز والمرض، كانت هناك صخرة في طريقي، فتعثرتُ بها عمدًا كي تسبقني أمي، لكنها انحنت لترفعني وتنفض عني التراب، سألتها: لمَ لم تسبقيني؟ قالت: سبقتك مرتين، مرة قلبي سبقك إلى الأرض قبل أن تقع، والثانية سبقتك بالعمر.
عند مرورنا بجانب بئر مهجورة ولّى عليها الزمان وأعشبت الأرض حول ثغرها، تذّكرتْ أمي سالف الزمان حين كانت تصحو لتجلب الماء وتأخذني معها على ظهر الحمار، قالت: كنت طفلاً مشاغبًا وكنت أخاف عليك السقوط. ضحكتُ وقلت لها: سأطير، وإلّا علامَ سميتني صقر؟
تبسّمت وقالت: مجاملة حلوة لي ولك.
في الطرف الآخر من منحدر القرية، فتاة تضع "الهُرد" على وجهها وكفيها نازلة نحو قاع الوادي، مصفرّةٌ باهتة فوق رأسها كوم ملابس تجر بيدها حبلًا إلى رقبةِ حمارٍ أربد اللون، حمارٌ عصيٌّ على الترويض يحاول الإفلات، يقاوم القيد ويهرول وينهق، فتلتفت نحوه القروية وتصيب نزقه بلحظة إسكات.
اتأمل حنكتها في البكور ولملمة شتات العائلة داخل شال لتغسل عنهم تعب الأسبوع على حافة السد، وسرعتها في تشكيل نفسها عاملة قروية تجيد الفلاحة والتغسيل وتربية المواشي، وهي تقترب نحونا، يد تمسك بها الحبل، ويد تثبت الوعاء الذي يلم كوم الملابس، وبوجهها المصفرُّ كأنها شمس الصباح وهي طالعة.
أراقب خفّتها حتى التقينا، تنحيتُ جانبًا وأفسحتُ المجال لأمي تبادلها السلام، قبّلت أمي في خديها وعلى رأسها، مسحت أمي على خدها الأصفر "ما أحلاك بنيّتي وما أدهش "الهرد" على خدك". طأطأت رأسها وانبلجت على شفتيها ابتسامة لطيفة "شكرًا لك خالة أنيسة. وين رايحين؟" قالتها بصوتٍ آسر.
"نتمشّى يا بنتي ونشم هواء هذه البلاد الحسينة" أجابتها أمي وعينها ترمقني بنظرة مريبة، وأردفت "كأنك نزلتِ بدري يا بنتي! وين رايحة؟".
"بنزل أصبّن الثياب عند السد سريع لما يجي أخي يجيب الدباب الماء ونعبيهن ونروح عشان أرتب البيت واجين عندنا ضيوف" قالتها بفرحة ونشاط وصوت يترنّم كآلة موسيقية.
مسحت أمي خدها "ما شاء الله عليك يا بنتي مشحوطة ربي يحوّطك من العيون ويبارك بشبابك" وأدارتا رأسهما معًا نحوي بينما انشغلتُ بملاحقة نحلة كانت تحوم حول رأسي.
انصرفتا كلٌ في طريقها، تقدمت أمي حتى صارت محاذية لي، كانت تنظر لي بغرابة، التفتُ نحوها فأحرجتني، دقت كتفها بكتفي، "ما بك أمي؟" سألتها ضاحكًا. "وليش تسأل وأنت تضحك؟" ردت أمي بنبرة انضباط كمن يحاول فرض أمر واقع.
تلعثمتُ وحاولتُ أن أصرفها عن الأمر "حسنًا، ما رأيكِ أن نغيّر الاتجاه ماما"؟ قلتها بارتباكٍ واضح.
ضحكت أمي بسخف وردت بصوتٍ مهاب "أعجبك الحمار؟"
وقفتُ في مكاني وكتف أمي يلصق كتفي، كأنها صوّبت نحوي رصاصة مرتْ بطرف أذني "أعجبتني المروّضة" قلتها بشغبٍ وقفزتُ راكضًا هاربًا فلحقتني أمي طافحة "تعال يا حمار، يا ابو عين زايغة" ترددها بمرح وحفاوة لكن الغريب أن سرعتها هذه المرة تقارب سرعتي!
