من ملامح العبودية في الرواية العربية
د. قاسم المحبشي
من ملامح العبودية في الرواية العربية بين رؤية سالمين للروائي اليمني عمار باطويل ورواية تعيسه للروائي السوداني بشرى الفاضل وشائج قربى كثيرة في الشكل والمحتوى. انهما يسردان حكاية إنسانية بالغة الخطورة والأهمية تتصل بمؤسسة العبودية للعربية الإسلامية التي لازالت حاضرة حتى الآن بصور وإشكال كثيرة خفية وظاهرة. وليس هناك ما هو افجع ولا أوجع من أن يجد الطفل الإنساني ذاته يباع ويشترى في سوق الماشية ويكبر دون أن يعرف من هي أمه ومن هو اباه وما موطنه الأصلي ومن أين أتي به إلى السوق؟ تلك هي حبكة رواية الصديق المبدع عمار باطويل التي تدور احداثها بين وادي دوعن في حضرموت والمكلا وجاوه وجده وعدن. رواية تجعلك تتسمر وأنت تقراؤها ليس لجمال لغتها وقوة خيالها فحسب بل لشدة واقعيتها وقدرة شخوصها على تمثيل المعنى.
رواية تروي في ١٤٠ صفحة ما لم تستطيع روايته مئات كتب التاريخ والسير والشريعة عن الحقبة الزمنية الشديدة الاضطراب والتحول والتبدل في القرن العشرين. البارحة اكملت قراءة سالمين وبينما أن أتتبع مصير سالمين الشخص الرئيسه في الرواية تذكرت رواية تعيسه التي قرأتها قبل خمسة سنوات حينما كنت مقيما في خرطوم بحري شنبات. رواية مثيرة ومدهشة وتحكي حقيقة السودان ومآلاته. تناقش الرواية من حيث تيماتها وعبر تمثيلها السردي جملة من الإشكالات الاجتماعية والسياسية والثقافية والتاريخية في السودان. ومن ذلك, الفشل المتوالي للنخب السودانية في بلوغ أهداف البناء الوطني الكامل, بعد الاستقلال, وانجاز التنمية والحداثة المستدامتين, وفي الفجوة بين النخب والجماهير وطبيعة العلاقة المعقدة بينهم...الخ. إن اردت أن تفهم البنى العميقة التي تتحكم في السودان الرحيبة عليك بقراءة رواية تعيسة للروائي السوداني بشرى الفاضل. رواية انثروبولوجية صغيرة الحجم ولكنها عظيمة الأهمية. قرأتها أول شهر من إقامتي في الخرطوم. تحكي عن فتاة جميلة جدا ولدت عمياء للعبد بخيت هربت من طغيان السلطان العثماني.ما سطر في الذاكرة منها أن السودان بلد عظيم وأن ثمة ارادة ممنهجة لتكريس جهل الشعب بقيمة بلده. إذ لا تعرف عائلة سعيد السيد وبخيت المستعبد حدود الصحراء وجغرافية الواحات.
