أما زال بيننا من يراهن على السراب ؟!
منصة حمير | مقال للدكتور: جمال بن عطاف
أسئلة تفرض نفسها على من يهرول نحو الحوار مع الحوثي
تتغير التحالفات والمواقف، لكن التاريخ لا يتغير، وتجارب الشعوب لا تُمحى برغبة عابرة أو نكاية سياسية.
ومع تصاعد الحديث عن «الحوار مع الحوثي»، تفرض نفسها أسئلة بسيطة:
أولًا: ما الشرعية التي يملكها الحوثي؟
هل أصبح من انقلب على الدولة والتوافق الوطني، وفرض مشروعه بقوة السلاح، طرفًا يُكافأ بحوار يمنحه شرعية سياسية لم يحصل عليها عبر صندوق أو توافق؟
ثانيًا: هل نسيتم ما حدث في الجنوب؟
من غزا الجنوب عام 2015، وقتل ودمر وهجّر، لا يمكن أن يصبح فجأة شريكًا يُطلب من الجنوبيين الجلوس معه وكأن شيئًا لم يكن.
هل اعتذر الحوثي عن حربه على الجنوب؟ وهل تخلى عن مشروعه الذي قاد إلى تلك الحرب؟
ثالثًا: من فوّض الحوثي للحديث باسم الجنوب؟
حين يتحدث الحوثيون عن «عدو مشترك»، فمن الذي منحهم حق تحديد أعداء الجنوب أو الحديث باسمه؟
الجنوب صاحب قضية وقرار، وليس ورقة في صراع إقليمي بين الآخرين.
رابعًا: هل اختُزل الشمال كله في الحوثي؟
إذا كان الحديث عن حوار حول مستقبل اليمن، فأين بقية القوى والمكونات الشمالية؟ وهل يمكن لجماعة واحدة أن تختزل الشمال كله، ثم يُطلب من الجنوب أن يتفاوض معها على مستقبل الجميع؟
خامسًا: ألم نتعلم من تاريخ الحوارات؟
بدأت القصة بـالوحدة اليمنية وما رافقها من اتفاقات وتوافقات، ثم جاءت حرب 1994 لتفرض واقعًا مختلفًا.
ثم جاءت وثيقة العهد والاتفاق، ولم تمنع الحرب.
ثم جاء الحراك الجنوبي السلمي، دون أن تُعالج جذور القضية.
ثم جاء مؤتمر الحوار الوطني، وشارك فيه الجنوبيون بحثًا عن حل سياسي، قبل أن ينقلب الحوثي نفسه على العملية السياسية ومخرجات الحوار بقوة السلاح.
فما الذي تغيّر اليوم حتى نكرر التجربة نفسها، وننتظر نتيجة مختلفة؟
سادسًا: نحن مع السلام، ولكن أي سلام؟
لسنا ضد الحوار، لكننا ضد حوار بلا مرجعية واضحة، وبلا ضمانات إقليمية ودولية، وبلا آليات ملزمة للتنفيذ.
السؤال ليس: هل نحاور الحوثي؟
بل: على ماذا نحاوره؟ وبأي تفويض؟ وما الذي سيحصل عليه الجنوب؟ ومن يضمن تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه؟
فالسلام لا يعني التنازل، والحوار لا يعني أن يتنازل طرف عن حقوقه لمجرد الوصول إلى اتفاق.
ومن يطلب من الجنوب اليوم أن يهرول نحو الحوار، عليه أولًا أن يجيب عن هذه الأسئلة.
فالجنوب لا يرفض السلام، لكنه يرفض أن يكون ثمن السلام هو نفسه.
وهنا سؤال جوهري:
أين القوى التي صنعت الوحدة؟
الحوثي لم يكن شريكًا في قيام الوحدة اليمنية، ولم يكن طرفًا في الاتفاق الذي جمع دولتي الجنوب والشمال عام 1990.
فإذا كان الحديث اليوم عن إعادة صياغة شكل الدولة ومستقبل العلاقة بين الجنوب والشمال، فلماذا يُختزل الشمال في جماعة الحوثي؟
أين الأحزاب والقوى السياسية التي كانت طرفًا في قيام الوحدة، والتي تمتلك تمثيلًا سياسيًا وتاريخًا في مؤسسات الدولة؟
إذا كانت الوحدة قد قامت باتفاق سياسي وسلمي بين طرفين، فمن الطبيعي أن يكون أي تغيير جوهري في شكل هذه العلاقة عبر مسار سياسي سلمي، وبمشاركة وتوافق القوى المعنية، لا أن يُترك تقرير مستقبلها لجماعة لم تكن أصلًا طرفًا في تأسيسها.
فالذي تم بالسلم، لا ينبغي أن يُحسم بالحرب، والذي نشأ باتفاق سياسي، ينبغي أن يُعالج سياسيًا.
