هكذا تكلمت العربية
مقال للكاتب عبدالقادر زايد
في البدء كانت الكلمة، والكلمة كانت عربية. هكذا تجلت أسرار الخلق، وهكذا ارتفع العربي من حضيض العدم وهوامش الوجود إلى ذرى المعنى وسيادة العالم. في يوم اللغة العربية، قفوا عند هذا النهر المقدس. قف أيها العربي وتأمل حكمة المعنى وموعظة الأبجدية.
أيها الناطق بالعربية، لغتك ليست مجرد أصوات تتقاذفها الرياح، بل هي جسر بين الكينونة والزمان. أتعلم ما هي العربية..؟ إنها لغة الخلود، صوت الكون ونبرته، والشجرة التي تظلل العربي بيناعة أغصانها اللامتناهية وبورافتها الكونية. وهي نبوءة النبي، شاعرية الشاعر، معجم الفيلسوف وحجته المنطقية، والأداة الأعظم يعرف بها ذاته، ويعّرف هويته.
أيها العربي أفق! لغتك ليست سجناً أو قيداً، بل صرخة الحرية الأولى، والبوابة إلى المطلق الذي يختبئ خلف الحجب المرئية. ما سر عظمتها..؟ فحوى عبقريتها هي إنها تنتمي إلى الكلي، وتحوم فوق حدود الهويات الضيقة. العربية هي أن يستحيل الوجود إلى مجرد كلمة، وتتسع الحروف لتعانق الماضي والحاضر والمستقبل، حيث يغدو الكون كُلاً واحداً، مادة هيولانية، ماهيتها اللغة، وكينونتها العربية.
في المعلقات، كان امرؤ القيس يرسم العالم، ومن بعده جاء المتنبي بعده ليستنسخ أقماراً تتهادى في سماء المجاز:
"أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي
وأسمعت كلماتي من به صممُ."
ألم يكن الشعر على لسانه عرشاً للخلود..؟
من المعري، الذي جعل منها سلاحاً أمام عبثية الوجود:
"هذا جناه أبي عليَّ وما جنيتُ على أحدِ"، إلى الجاحظ الذي بسطها جسراً للحياة اليومية، مروراً بطه حسين الذي أضاء أفقها الأكاديمي، ونجيب محفوظ الذي أسكنها الأزقة، وليس انتهاءاً بدرويش الذي رفعها قامة تناطح الأزل. إنها لغة المترجم الأول، ذاك الذي اجتاز العصور باحثاً عن المطلق في النسبي. لغة تتحدى الزمان والمكان، تحتضن الفلسفة كما تحتضن الشعر، وتنحت من الحروف عوالم، ومن الكلمات عروشاً لا تزول.
باللغة وحدها سيعيد العربي صياغة الوجود ويخلق ذاته مرة أخرى، يرسم ملامح الكون ويسيج حدوده، ويبتكر شكلاً جديداً للعالم. لقد كانت المفتاح الذي فك بها أبواب المغارة ذات يوم وألقى بحمولته إلى أتون الآفاق الشاسعة، وهي بطاقة أسفاره إلى أقطار الدنيا، وملحمة الصحراء التي يحمل لون رمالها على جبينه كسيماء أبدية.
العربية: زئير الحياة في أعماقنا، لغة السؤال الذي لا ينطفئ، و"الأليثيا" التي تحدث عنها الإغريق، والحقيقة التي تكشف عن نفسها ولا تحتجب.. كل حرف من حروفها هو كائن حيٌّ يتنفس في أفلاك المعاني.
إلى العربي العاثر؛ أصغِ إلى حكمة اللغة، فهي الروح المُتجسِّدة بين حلقك الشاحب ولسانك الطرية. هل تساءلت يوماً، كيف للغة أن تكون خنجراً وسلاحاً، بلسماً ونشيداً..؟ إنها العربية يا صاحبي، لغة النبوة والبدء، والرافعة التي صعدت بصوت الإنسان عالياً، فصار للوجود معنى، وللمعنى وجوداً.
أيا أيها البدويّ هذه ترنيمتك بها تنشد أسرار الصحراء، ومنها تنطلق للبحث عن المطلق في نسبيّات العالم. فيها تجد الأساطير ملاذها، ومنها يولد الشعر، وبها يصير الإنسان خالقاً، وينحت من الحروف عوالم لا تزول.
انهض يا وريث اللغة العريقة، واصنع بها أسطورتك الجديدة، هناك حيث يمكنك أن تتحدث، تكتب وتصرخ: هنا أُخبي روحي، وهنا أحمل أقداري... فهكذا نطقت العربية، وهكذا ستبقى: شجرةً جذورها في الأرض، وأغصانها تعانق الأبد.
عبدالقادر زايد
