تلبّس الجان بين الحقيقة والخيال
منصة حمير | مقال | للراقي الشرعي : أنس بن عطاف اليافعي
الجان مخلوقات من خلق الله، لهم وجود حقيقي لا شك فيه، كما قالوا عن أنفسهم في القرآن الكريم:
{وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَٰلِكَ}.
وبما أن الجن - وخاصة إبليس وجنوده - لا يزرعون، ولا يحصدون، ولا يبنون، ولا يشترون طعاماً، فهم يعيشون عالة على البشر، ويتطفّلون على حياتهم، ويسعون إلى تضليلهم، ونشر الفواحش والفتن، وإشاعة الأمراض، والسحر، والتلبّس، والتفرقة. بل إنهم يشاركون الإنس في البيوت والأسواق والحياة اليومية دون أن يشعر بهم بنو آدم:
{وشاركهم في الأموال والأولاد}.
مسّ الجان حقيقة أم خرافة؟
مسّ الجان للإنسان ليس وهماً أو خرافة كما يعتقد البعض. فالجن يملكون القدرة - في بعض الحالات - على الدخول إلى جسد الإنسان، والتأثير فيه وإلحاق الضرر به. وقد اختلف الناس حول هذا الأمر، فمنهم من يصدق ويؤمن، ومنهم من ينكر ويكذّب، بينما الحقيقة تقع في المنطقة الرمادية بين التجربة والإنكار.
أنا هنا لا أتحدث نظريًا، بل أنقل إليكم خلاصة تجربتي الشخصية مع مئات الحالات على مدى سنوات، دون الخوض في الأدلة الشرعية، التي هي متوفرة لمن أراد الرجوع إليها.
بين الوهم والحقيقة
نعم، لا أنكر وجود عدد كبير من الحالات الوهمية، وكذلك من يعانون من أمراض نفسية يُساء فهمها على أنها سحر أو مس. كما أن هناك تشخيصات خاطئة من بعض الرقاة أو المعالجين، مما زاد من الالتباس، وتاهت الحقيقة وسط الموهومين والمكذبين.
لكن... هناك حالات حقيقية، مذهلة، خارقة للطبيعة، لا يستطيع حتى المكذبون إنكارها حين يقفون أمامها عاجزين عن التفسير أو المواجهة.
كيف يدخل الجان جسد الإنسان؟
أجسادنا ليست بيوتًا مهجورة يدخلها الجان كما يشاء، بل هناك مفاتيح وأبواب تُفتح بفعل السحر أو العين أو الحسد. هذه هي المنافذ التي يستغلها الجان للدخول والسيطرة، خاصة من يسمون بـ"خُدّام العين والسحر".
وبمجرد دخوله، يملك الجان المتلبّس القدرة على:
- السيطرة الجزئية أو الكاملة على الجسد.
- سلب الإرادة والتحكم في الأفعال.
- توجيه المريض لأمور لا يريدها.
- التحكم في النفسية والتصرفات، وحتى العلاقات الشخصية.
فبعض الأجساد تصبح كـ"ريموت كنترول" في يد الجان، يوجّهه كما يشاء، والبعض الآخر يمرّ بتلبّس جزئي حسب قوة الجان وأهدافه.
إزدواج الإرادة داخل الجسد
الممسوس تجده يحمل إرادتين:
- الأولى: إرادة شخصية من داخله.
- الثانية: وإرادة غريبة مفروضة عليه من الجان.
وهنا تظهر المعاناة، إذ تتصارع الرغبتان داخل جسد واحد، فتراه يتمنع عن الزواج، أو ينفر من أقرب الناس إليه دون سبب واضح. وقد يُدفع إلى أفعال خطيرة بإرادة ليست إرادته.
أفعال تُرتكب دون وعي
هناك من يرتكبون أفعالًا كالسرقة أو العنف وهم في حالة غياب كامل عن الوعي، ضحايا لتلبّس خفي يتحكم بهم. بعضهم يعيش معنا، يحمل روحه وروحًا خبيثة تسكن جسده، تخيفه، تهدده، تمنعه حتى من البوح.
وفي بعض الحالات، يصل الأمر إلى تحكم الجان في خصوصيات المريض:
- مراسلات عبر الهاتف.
- تسريب صور أو معلومات.
- توريط المريض في مواقف وأزمات.
- بل وقد يستخدمه لإيذاء آخرين دون أن يدري.
الواقع المؤلم والحقيقة الضائعة
قد يقول البعض: "أنت تفتح الباب لتبرير الجرائم بالمس!". وهذا ليس الهدف. نحن لا نتحدث عن الكذابين أو الموهومين أو أصحاب الأمراض النفسية، بل عن حالات حقيقية موثقة، ضاعت وسط الجدل والتشخيصات الخاطئة، حتى انقسم الناس إلى فئتين:
مصدّق لكل شيء... ومكذّب لكل شيء.
والنتيجة؟
ضاعت الحقيقة الغائبة.
