بين الجريمة والوصمة.. هل كان محمد صادق قاتلاً أم ضحية؟
منصة حمير | مقال للكاتب: عبدالسلام القيسي
ظهر محمد صادق المخلافي بالفيديو الأخير رابطاً جأشه، شجاعاً كما لو أن خلفه جيوش الأرض، وهنا تبكي على فتى بذلك الثبات كيف قيد الى جريمته البشعة، وهو الذي لم يبلغ العشرين.
لو أن هذا الشاب، وهو بالحقيقة ابن عمي، توجه الوجهة الصحيحة ومثله كل شباب وابناء مخلاف ووجدوا من يلمهم بأخلاق الفرسان، وعاشوا حياتهم لأجل هدفنا الكبير، لكانوا فوارق المعركة الوطنية، ولكانوا صناع المستحيل، لذا هم برأيي ضحايا قبل أن يكونوا قتلة، وكل هؤلاء ضحايا الحرب، بل ضحايا المدينة، وضحايا السوشيال ميديا، بل ضحايا قفزاتهم الكبيرة، ضحايا مواقفهم،كذلك
هم ضحايا الوصمات العابرة للسنوات، ضحايا قبل أن يكونوا قتلة.
وقد أنتهى كل شيء، دعوني أترحم على ابن عمي، رحمك الله يا محمد صادق، وقد أُقيم عليك الحد، وعدت طاهراً كما كنت، دعني أبكيك رغم كل شيء، أبكيك رغم الخلاف العابر للعقود،ورغم الحزبية المقيتة، ورغم الظرف اللعين، والسياق المنفلت، ورغم كل شيء، فأنت ابن عمي، دمنا واحد، وكان يشرفني أن تكون غير الذي كنته، ولو تزحزت قليلاً بالجغرافياً لربما كنت الآن محاضراً جامعياً،أو طبيباً، وربما كنت باحثاً في التأريخ السياسي، لولا صدف العالم .
رأيت أحدهم يدوس وجه شاباً ميتاً أرتكب جريمته ودفع ثمن غلطته، وواجه كما يجب، رأيته يدوس وجهه وحزنت، بكيت على ومن أناس بلا أخلاق، وليس لك الحق أن تدوس ميتاً وقد عجزت أن تدوسه حياً، وإن كان قد قتل امرأة وهذا جرم وعار فقد أثبت بمواجهته للحشود الكثيرة أنه شجاعاً، على عكس لو أنه أنهار بوجه الكثرة، وهو الذي فعلها بامرأة، بل شجاعته ثابته، وعاره هو الشاذ.
منذ سنوات، بدأت الجريمة بحق مخلاف، وصمتهم هذه المدينة بوصمات عابرة، وكما لو وضعت قططاً في قفص، وهل ننسى وصمة المغول التي وجهت لابناء الريف المتعب، وهم خارجون من أتون معركة دامية، على سحناتهم أثر المعارك الكبيرة، يبحثون عن التقدير،وينظرون الى أنفسهم بالمرآة، يفتشون ملامحهم بالمرايا لعلهم يؤكدون أثر الملاحم الجبارة، وينفون صلتهم بالمغول.
ولكن هذه مدينة لا ترحم، لم تطلق اللقب على الكهنوتي المحاصر للمدينة، وفعلته بحق بعض رجال المستحيل الذين وقوفوا بكامل معانيهم منذ أول طلقة، بالصح والغلط وقفوا مع مدينتهم، وقفوا فأعطوا وأخذوا، وكانت كلمة شكر تكفيهم ليكونوا الفرسان الذين نحتاجهم، لولا أن عادوا وانزووا بمزلق وحيد، هرباً من المدينة.
أمامهم العدو وخلفهم التهم الجاهزة، وهم ليسو ملائكة، مثقلين بالرزايا ككلنا، ككل هذه البلاد، لولا أنهم وحدهم دفعوا ثمن كل شيء وبشكل منفلت، وخسروا التأريخ حتى، لمجرد أن يأتي مفسبك من مجهل غبي ولديه أعجابات كثيرة وينزع عمن شاء ما يشاء،وهذا حولهم الى عصبة فزعة، وتعرفون ماذا يرتكب المفزوع، تعرفون.
لو أنت مخلافياً، تعجز ان تستأجر بيتاً للسكن، والمبرر جاهز، هو المبرر الغبي المكرور منذ سنوات، والذي يثبت تفاهة السلطة والمجتمع، وأنا البعيد عن كل هذه المظاهر وجدت بيتاً وقد طفت عشرات المنازل، ويكفي أن أكون مخلافياً ليفسخوا عقدي بسرعة.
لماذا تدوس وجهاً ميتاً ؟ قال هولاكو لأصحابه قبل أن يقتل المستعصم العباسي رفساً: دماء الملوك نبيلة، دماء الملوك لا تراق .
وددت لو أنكم مغولاً بتلك اللحظة، وان يقول أحدكم وقد أقمتم الحد بحقه، وأرقتم دمه بالدم الذي سفكه: وجوه الكرام لا تداس.
لست مصطفاً مع القتلة، وكان عليه أن يأخذ جزاءه، ولكن دعونا نحاكم سنوات الضغينة، وهؤلاء الذين نزعتم عنهم حتى شرفهم بالطلقة الأولى بلا بلاد، بلادهم محتلة، وصاروا بنظركم مجرد عبء، وبلا بلاد أيضاً، وقد كانت مأرب أكرم وأنعم منكم في أن تلم عموم الناس، من كل اليمن، فيما منعتم عنهم حقهم في مدينتهم.
كل قاتل ضحية، ضحية للواقع، ولما يكون طفلاً بعمر محمد صادق، فهو ضحية حقيقية، وهنا أعاتب ابن عمي، أعاتب حمود سعيد، وكلنا نعرف كيف كان لك صادق الباسق، ابن عمك، كيف لك،وكيف أبتعدت كل هذا البعد عن أهلك، وصار شاباً مثل محمد، بمقتبل العشرين، يبحث عن مبلغ بسيط بالطريقة التي أدت به الى هذه النهاية البشعة، وأنت يا حمود الشجاع،أنت الكريم !
هؤلاء ابناء عمي، ولا أتنكر لأصلي، شجعان المراحل الصعبة، الشجعان بالحق وبالباطل، وهذه أسرتي الكبيرة، وقلما تجدون منها بالكرم والإقدام والقفزات، وبالمضي خلف المواقف وبدفع أثمان التحولات بكل شجاعة، ولذا تفردت عائلة صالح، وكل فرد بهذه العائلة، يرى نفسه الكون، ملء السماء والأرض، وأكبر من كل العالم.
الانتماء لبني صالح فخراً كبيراً، والعصبة هذه مستحبة في المواقيت الصعبة، ولولا عصبة المخاطر لما قفزوا الى الجحيم وهم يدركون الخسارة اول الحرب، لولا الصدف، وقد قفزوا الى الموت .
جميعهم ضحايا، أراد بعضهم المغادرة قبل سنوات، وهم من هم بالمكان والزمان، التعزيين، وأقفلو بوجههم الأبواب، ولو هناك تفكيراً واقعياً وفي عنقهم حقوق، لجبروا الضحايا، وتركوهم يذهبوا بعيداً، لحفظوا المعنى الأول للمقاومة، ومثلهم كثير، وعلى ذلك قس وفكر، ولسلمنا هذه الكبوات، كبوات سرقت منا المعنى الأول، وأن نوازن بين هذه وتلك، بين الجزئي والكلي، لولا الخفة.
لا أبرر لهم، ولكن لكل شيء وجهه الآخر، وقلة من الناس يرون الحقيقة الكاملة، وكان بإمكانكم أن تعتبروا ابناء مخلاف جزءاً منكم، لولا عند أول خطأ وجدتم الفرصة،فرصة الشيطنة الكاملة.
لسنوات، في كل مقيل وبكل ندوة عن الحرب والقضية، تمنيت لو يتحدث أحدهم عن بلاد ما بعد خط الحصار، لو أحدهم يدعي ابناء مخلاف وشرعب والتعزية، فلم أجد، فمن هو الجاني والضحية ؟
أخذنا حقنا من القتلة، وهذا صحيح، لكن من يأخذ بحقهم منكم، بحقهم من تفكيركم المناطقي، من وصماتكم، من تكالبكم ؟
من بيأخذ بحقهم ممن حولهم الى رصاصة خائفة، بوجه أول مار؟
لم نخسرهم هذه اللحظة، بل عند أول تفكير أنهم صاروا عبئاً على هذه المدينة، خسر صفنا الوطني رجالاً يهزمون الموت، بالموت.
رحمك الله يا محمد صادق، وكم بودي لو يتأبط الرجال شجاعتهم، ويقولون: دعونا ندفن قاتلنا وقتيلنا، وقد تطهر بدمه.
كتبت هذا بدم قلبي، ولو لم أحزن على مصارع أهلي لست رجلاً، وأراهم بعين قلبي، بعيداً عن كل شيء، بل اجتباءً لدم أهلي.
