الرواية والبند السابع

الرواية والبند السابع
د. عبدالحكيم باقيس

الرواية والبند السابع

كتب-د. عبدالحكيم باقيس 

دار نقاش مهم صباح 28 يونيو 2022م في ندوة "الرواية في زمن الحرب".. وقُدمت تساؤلات مهمة تستوجب عرضها عليكم، بعيدًا عن البند السابع:

 - تساؤل الدكتور شهاب القاضي عن مستوى جودة الكتابة في ظل استسهال الإقدام على كتابة الرواية في الفترة الأخيرة، بعد أن اتفقنا أن المنشور مؤخرًا (في سنوات الحرب) يشكل ظاهرة ملفتة، على الأقل وفق المعيار الكمي!. بالتأكيد هناك أعمال جيدة، وكُتاب لفتوا الأنظار إليهم بقوة، بما أتيح لهم من خبرة ورؤية نتاج مطالعة هذا الفن العابر للحدود والقيود. ويبقى تساؤل الدكتور شهاب مهم جدًا في ظل هذه الظاهرة..

وكان تساؤله الآخر عن غياب الدراسات النقدية الكاشفة عن جماليات النصوص وما تتوفر عليه من بنى روائية، وهذا فيه إشارة إلى غياب النقد الموازي للوفرة والطفرة التي تشهدها الرواية في اليمن. ومن وجهة نظري يظل النقد، كما هو الحال بالنسبة للكتابة نفسها، نتاج مبادرة فردية في ظل غياب دور الجهات والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية، فشواغلها أخرى بين ما هو بريء وخبيث!.. والناس هذه الأيام تريد الغذاء والدواء والخدمات، وليس الآن وقت هذا الترف!، ستبدو حجة مقنعة في سرديات التملص.. جميعنا تحت البند السابع.

- وقد طرح الفنان المسرحي قاسم عمر سؤاله عن غياب استلهام الدراما المحلية للأعمال الروائية، مذكرًا بأعمال محمد أحمد عبدالولي (يموتون غرباء ـ صنعاء مدينة مفتوحة) ومحمد حنيبر (قرية البتول) وزيد مطيع دماج (الرهينة) وغيرها من كتابات الجيل السابق، والتي تحولت إلى أعمال درامية ناجحة!. فأجابه الروائي وليد دماج:

"إن هذه مشكلة كتاب الدراما أنفسهم وكتاب السيناريو الذي لم يلتقطوا روايات جميلة صدرت في السنوات الأخيرة وتصلح للدراما..".

وبالفعل إذا كانت من مشكلة الدراما ـ كما نقرأ ونشاهد ـ غياب النصوص الجيدة، لماذا يتركون الاستفادة من الرواية بما فيها من قيمة وجمال وموضوعات عديدة، وقد وعدت الأستاذ قاسم عمر بترشيح بعض الأعمال الروائية ليطلع عليها، مما أرى أنها تنطوي على أبعاد درامية، وحسب النقاش أن يفيد في مثل هذا.. ليس مطلوب منّا تغيير البند السابع!.

اتجه النقاش بعد ذلك إلى نقطة ساخنة.. في زاوية الكاتب والقارئ..

طرح الفنان والمخرج المسرحي هديل شعلان بأسلوب ذكي ومهذب المفارقة بين حديثنا المستمر وثرثرتنا المسهبة عن كتابات روائية يمنية وأسماء جديدة، ومنجز متحقق ومشهد روائي متجدد، وغير ذلك، في ظل غياب هذه الكتابات عن الناس.. عن القارئ في اليمن، عن المجتمع الذي تتحدث عنه.. كدت أصفق له.. فكلامه صحيح، ماذا يعني حديثنا عن كتابات هي بالنسبة للناس في حكم المجهولة؟! ولا تصل إلى أيدي القراء!.. وكأنها مجرد كتابات لتوثيق السير الإبداعية لكتابها ومآرب أخرى!. ومن ينكر ذلك الحكم بيني وبينه أرفف المكتبات المحلية في عدن وصنعاء.. لقد لامس كلامه شجنا عندي، وصرخت من مكاني في المنصة:

"إنه استعلاء الكتاب اليمنيين على مجتمعهم الذي يكتبون عنه، ولا يبذلون أدنى جهد في تسهيل توزيع أعمالهم، التي يصدر جلها في الخارج، ولا يساعدون في دخولها إلى اليمن، وإلى القراء الذين يستحقون منهم أن تصل أعمالهم إلى أيديهم بأية وسيلة.. قلت في نفسي "يمارسون على مجتمعهم البند السابع!.".. تداركت حتى لا أتهم بالتحامل: "استثني منهم الروائي الرائع السخي محمد الغربي عمران الذي يوزع أعماله في كل أرجاء اليمن بسعر زهيد جدًا، لا يغطي تكلفة نقلها، والروائي المبدع وليد دماج الذي يتدبر أمر وصول أعماله إلى كل من سأله عنها تسريبًا وتهريبًا".. ولا يدخل في ذلك الإهداء في أثناء حفلات التوقيع شبه اليتيمة، والتي تشبه حالات اقتراب المذنب هالي من الأرض!. 

رد وليد دماج بشيء من الحنق الجميل:

"ولماذا لا نتهم كذلك القارئ اليمني بالاستعلاء على الكاتب اليمني، ألا ترى أنه يبذل الجهد في التعرف على الكتابات العربية، ويعرض عن الاطلاع على الكتابات المحلية؟!.. وكأنه لا يتعرف بها!"..

صاح أحدهم من وسط القاعة:

"نحن نتابع ما استطعنا إليه سبيلا، أين أعمالكم من مكتباتنا المحلية؟!..".

بالفعل.. هنا المشكلة وسبب ما يبدو من قطيعة بين القارئ والكاتب، قلت للصائح من وسط القاعة:

"قبل مدة أرسلت في طلب مجموعة من الروايات من القاهرة، ومن معارض الكتب الأخرى بنحو مئتي دولار.. وأحرجت عددًا من الأصدقاء في شرائها وحملها ونقلها، وأصبحت هذه العملية مضنية جدًا، لا بد من حل لها..". وفي نفسي قلت: "وإلا فالطلاق قادم لا محالة!!".

تطور الموضوع إلى نقاش ثنائي بين الجالسين، يبدو من ملامحهم الانقسام.. تذكرت حوارًا بين كاتب مبتدئ وقارئ بريء في صحفة على فيسبوك:

ـ تهانينا لك يا أستاذ على إصدارك الروائي.

ـ شكرًا لك..

ـ لقد بحثت عنها في مكتبات اليمن، وسألت الأصدقاء ولم أجدها.

ـ للأسف لن تجدها داخل اليمن، هي توزع هنا في الخارج، وفي معارض الكتب.

ـ لماذا لا ترسل مجموعة منها إلى اليمن؟!.

ـ هذه مهمة الناشر وظروف التوزيع وليست مهمتي!.

قد يبدو كلام الكاتب محقًا، على الرغم من أسلوبه النافر.. تمنيت أن يقول له القارئ "وليست مهمتي الجري بعدك.. تبًا لك وللناشرين!" لعله قال مثل ذلك ولم يكتبه.. إنه البند السابع.

- دور النشر اليمنية التي في الخارج وتطبع أعمال الكتاب اليمنيين، وتشكل أحد أطراف هذه الظاهرة في التشجيع على النشر، هي مسؤولة كذلك عن وصول كتبها إلى اليمن، لماذا لا تكون لها منافذ بيع محلية، سوف تكسب، فليس هناك شيء بالمجان!. التحجج بظروف الشحن والنقل لن يصدقه أحد، فهذه البلاد مفتوحة على مصراعيها على كل شيء، من السلاح إلى الطماش.. ارسلوا سلة كتب واحدة مع كل مسافر، المرضى العائدون إلى اليمن كثر.. رغم أنف البند السابع!.

في موضوع الندوة سألني أحد الباحثين..

ووضوعها كما هو واضح عن "الرواية اليمنية في زمن الحرب". فكان السؤال عن حظ الرواية المكتوبة عن الحرب وأوجاعها بين الموضوعات العديدة التي تم تناولها، بدت له بعيدة عن موضوع الحرب، وهو على حق، لكن ينبغي التمييز هنا بين الحرب وآثارها وتفاصيلها بوصفها موضوعًا روائيًا، وتأثير أجواء الحرب وزمنها في ظهور موضوعات بعينها، أو انعكاساتها في موضوعات عديدة، وذلك مما عرضت لبعضه في ورقتي، فالأحداث الكبرى التي تمر بها المجتمعات موجهة للكتابة، وليس بالضرورة الاكتفاء بتناول التمثيلات السردية للحرب، وأظن ستكون لها استجابات طويلة في كتابات أجيال من المعاصرين والقادمين، كان الله في عونهم، أما أثرها الآن، مثل ظاهرة "الرواية التاريخية أو تخيل التاريخ" وخصوصًا في ظل نزعة "الأقيال القومية" التي جاءت في مواجهة "النزهة الهاشمية الدينية". وظاهرة "الفانتاستيكية" في خلق عالم مجنون يوازي جنون الواقع وسورياليته، النزعة نحو "الكتابة الذاتية ورواية السيرة الذاتية" فكل واحد منّا لديه قصته الشخصية التي يريد أن يرويها، وتخليد الحياة في مواجهة هذا الفناء، ظاهرة "سرد الآخر والمهمشين واليهود" حيث إعادة النظر في الذات وعلاقتها بالآخر، "الاغتراب والسرد المتشظي" أليس واقعنا حافل بالتشظي وصراع المتناقضات؟!.. وتعيش فيه الذات في اغتراب مقيم! ظاهرة "العنف والإرهاب".. وهذا من نتاج واقعنا المتخم بالحرب وآثارها النفسية والاقتصادية والاجتماعية.. وغير ذلك.. ألا ترون بأن للحرب أحيانًا آثار جيدة؟!!.. تبًا للبند السابع!.