وثيقة مَهْر وطلبات عروس يافعية تعود للعام 1280هجرية

وثيقة مَهْر وطلبات عروس يافعية تعود للعام 1280هجرية

كتب| البروفيسور علي صالح الخلاقي 

عرفت يافع التوثيق والتدوين في كثير من أمور الحياة خلال القرون القليلة الماضية. ولم يقتصر التدوين على سجلات بيع الأراضي ورهنها، أو نقل الملكية أو تحديد ما يخص الورثة بما في ذلك النساء، بل شمل بيع المسكن أو جزءاً منه أو عرصة أو مدفن أو شجرة..الخ. وبين يدينا الكثير من الوثائق التي تعتبر مصدراً تاريخياً للتعرف على التاريخ الاجتماعي والاقتصادي والديني للمنطقة.

ومن تلك الوثائق –على سبيل المثال- نقدِّم اليوم وثيقة هامة بالنسبة لنا، حصلنا عليها من ا3رشيف الصديق الشيخ قاسم صالح محمد بن دينيش البكري، ضمن وثائق أخرى أتيح لنا تصويرها من أرشيف آل دينيش (بيت المشيخة في بني بكر) إلى جانب وثائق كثيرة من أرشيف آل عزالدين قضاة وفقهاء بني بكر ويافع، فلهم شكرنا الجزيل وتقديرنا البالغ.

  تتضمن هذه الوثيقة ما يمكن أن نطلق عليه مهر فتاة ومتطلباته سنة 1280هجرية، أي قبل أكثر من 160عاماً مضت. وفي البدء تعالوا نتعرف على نص الوثيقة:

بسم الله الرحمن الرحيم

إنّهُ لمَّا كان يوم الخميس وخمس أيام في شهر الحجة وسنة ثمانين وميتين وألف (1280) ..

أما بعد فهوه حصل الرضا والمرتضى ما بين الصنو صالح محمد الخضر الحطيبي وكذلك الصنو صالح أحمد دينيش على سِنِّةْ صهارة، وعرفنا كلام البيت وصلاح الشأن وتمام المقصود على الله ، وذلك اثنعشر قرش، ثمان أواق فضة وسبعة قروش لصالح محمد ، وقرش لأمها ، وكذلك ثلاث غنم ، وثلاث عصيد أربعة وعشرين حب، وأربع أواق حُسْن، وسبعة أرطال سليط، هذا الذي عرفنا لحيث أنه كلام أهل البيت..

صح ذلك بحضر الشيخ صالح حبان وعبدالله السنيدي وعلي أحمد دينيش ومحمد أحمد دينيش ، وأنا عبدالله أحمد دينيش كاتب. 

- الوثيقة محررة في يوم الخميس، الموافق 5 ذو الحجة سنة 1280هجرية/ الموافق 12مايو 1864م ، وهي عبارة عن اتفاق على (سِنِّةْ مصهارة)، أي قرابة بالزَّواج، التي قال عنها تعالى:{وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا}.

وتم التراضي عليها بين طرفين، من مدينة بني بكر-يافع، الأول: الصنو صالح محمد الخضر [ بن محمد بن عبدالله بن احمد بن عبدالله الحطيبي العمري البكري، ومن سلالته الآن أهل زومع في بني بكر]، وكلمة الصنو تعني الأخ، وهي فصيحة، وهو الطرف الأول، والد الحريوة (العروس) أو ولي أمرها. والطرف الثاني: الأخ(الصنو) صالح بن أحمد بن دينيش [ بن ناصر بن عوض بن سعيد دينيش البكري، ولم يعد أحٌد من سلالته الآن في بني بكر وأولاد عمه هم أحفاد آل احمد دينيش ]، وهو والد العريس، أو ربما العريس نفسه، لأن الوثيقة لم توضح ذلك.

وحددت الوثيقة المهر مع الطلبات الأخرى، وفقاً لـ(كلام أهل البيت)، والمقصود بذلك عائلة العروس، والأم بشكل خاص، حيث جرت العادة سابقاً أن يُطلق على الزوجة عند ذكرها اسم (أهل البيت) عوضاً عن اسمها، وفيما يلي طلبات أم العروس مقابل المهر وتوابعه كاملة في ذلك الزمن:

- 12قرش فرنصة، وهي العُملة المتعامل بها حينها حسب وثائق أخرى، وبوزن ثمان أواق فضة

- 7 قروش فرنصة لصالح محمد الخضر الحطيبي.

- قرش فرنصة لأم العروس

- ثلاث غنم.  

- ثلاث عَصَيْد، تتألف جميعها من 24 كأس حب، أي أن العصيدة الواحدة مقدارها 8 كأس من حبوب الذرة، وهي من أهم الوجبات المحلية، تُحضر من أصناف الدقيق المختلفة، أهمها وأفضلها العصيدة المحضرة من دقيق الذرة الممزوج باللّبن "عصيدة لبن"، وعند تناولها توضع فوق قاعدة خاصة مصنوعة من الخوص"العزف" تسمى "مُوكف" ثم يضاف عليها السمن أو العسل في فجوة تتوسط العصيدة، ثم يتم تناولها باقتطاع كل شخص لقمة من الناحية التي تليه ثم يغمسها في الفجوة ويأكلها. وقد يتكون الإدام من المرق أو "الصعة" أو "الشُّحرة" في حالة انعدام العسل أو السمن أو حسب الرغبة والذوق ويتم صب السائل حول أطرافها وقد يُضاف إليها شيئا من السمن أو زيت السمسم يُسمى"نُشاحي" أو "بَرُوق" ثم تُفت لقم العصيد وتؤكل. وكانت العصيدة أهم الوجبات اليافعية على الإطلاق إلى ما قبل عدة عقود، قبل أن يحل محلها الرز المستورد.

- أربع أواق حُسْن، وهو من المساحيق التي تتزين بها النساء وهو مادة صلبة ذات لون بين البني والأحمر تسحق كالهرد ويخلط مسحوقها بالماء مع صمغ اللبان ويُصبغ بها الوجه أو جزء منه فقط، وتسمى الزينة بهذه الصبغة "النَّده"، وهي تكون طبقة عازلة تقي الوجه جيداً من تأثير الشمس والبرد اللافح وتحافظ على نعومة وبياض الوجه. حتى أن الفتيات يكثرن منها في فترة "الخبأ" حتى يأتي الزواج وهن أكثر بياضاً ونعومة.

- سبعة أرطال سليط، وهو زيت السمسم (الجلجل) ويستخدم مع العسل في فجوة العصيدة.

 وهذه هي الطلبات التي تم وضعها حسب كلام أهل البيت، أي العائلة.

وفي ختام الوثيقة أورد الشهود الذين تم الاتفاق بحضورهم، وجميعهم من آل العمري وآل دينيش- بني بكر، وهم: الشيخ صالح حبان [ بن احمد بن محمد بن عبدالله بن احمد بن عبدالله الحطيبي العمري البكري ومن سلالته جميع آل حبان في بني بكر حالياً]. وعبدالله بن السنيدي[ بن الخضر بن محمد بن عبدالله بن احمد بن عبدالله الحطيبي العمري البكري، وكانت تربطه علاقة طيبه بآل احمد دينيش ومتزوج منهم وسلالته الآن هم نصف آل السنيدي ساكني مدينة بني بكر وعلى رأسهم الشيخ احمد صالح عبداللاه السنيدي]. وعلي أحمد بن دينيش [بن ناصر بن عوض بن سعيد دينيش البكري، ولم يعد أحدٌ من سلالته في بني بكر الآن]. ومحمد أحمد بن دينيش [ بن ناصر بن عوض بن سعيد دينيش البكري،

وما زالت سلالته الآن في بني بكر وعلى رأسهم الشيخ قاسم صالح دينيش "وهو من أمدنا بالوثيقة وبالإفادات بين المقوستين"]. وكذلك كاتب الوثيقة عبدالله أحمد بن دينيش [بن ناصر بن عوض بن سعيد دينيش البكري، وما زالت سلالته موجودة في بني بكر وكان على رأسهم الشخصية الاجتماعية المعروفة الشيخ علي محمد ناصر دينيش، الذي توفي في فبراير من العام الجاري 2022م، طيب الله ثراه].  

وحسب إفادة الشيخ قاسم صالح بن دينيش البكري، فإن هذه الوثيقة تثبت مدى الترابط الأسري بين الاسرتين البكريتين آل الشيخ احمد بن دينيش بن ناصر عوض دينيش وبين آل الشيخ محمدبن عبدالله بن احمد عبدالله الحطيبي، وهي قرينه على صحة المقولة المتداولة والمتوارثة عن اختطاطهم لقاعدة أصبحت متوارثة عنهم لتيسير مهر الزواج فيما بين الأسرتين عند أي مصاهرة بينهم. 

كما تكشف لنا بعض من جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية، ومن ذلك العملة السائدة "القرش الفرنصة"، والمقصود به الريال النمساوي "ماريا تيريزا" الذي شاع في يافع وغيرها من المناطق وظل متداولاً إلى عشية الاستقلال(ج) قروش، ونتعرف على مبلغ المهر المحدد هنا بـ(12قرش) مشروطة الوزن بثمان أواقٍ فضة، وإلى جانبها ثمانية قروش للأب أو ولي الأمر، وقرش واحد للأم فقط، كما تبين الوثيقة بساطة الطلبات حينها، وأهمها الثلاث العصيد بمقدارها المحدد، وهي تذهب مع الثلاث الغنم للضيافة التي تقام بمناسبة الزواج، ومعها السليط، أما ما يخص العروس إلى جانب المهر فلها أربع أواق من مسحوق الزينة (الحُسن)..

ومثل هذا التوثيق بحضور الشهود يبين اهتمام أسلافنا البالغ في توثيق كافة تفاصيل أمورهم من زواج وبيع وشراء وميراث وغيرها من تفاصيل حياتهم بما يضمن تنفيذ أي اتفاق دون إخلال..

وختاما أقول أين نحن من هذه البساطة ..وهل نضع حدا للمغالات بالمهور وبالطلبات التي تثقل كاهل العريس وأهله ..بل وأهل العروسين ..