حوار مع منيرة الحنشي أول إعلامية من يافع مديرية رصد

حوار مع منيرة الحنشي أول إعلامية من يافع مديرية رصد

منيرة الحنشي هي أول فتاة من يافع رصد تتخرج من قسم الإعلام بكلية الآداب جامعة عدن، بعد كفاح شاق ومرير، لكن ملهم ومثير للإعجاب، أنتهى بتتويجها كأول إعلامية يافعية تحترف هذه المهنة الخطرة والممتعة، الصعبة والجميلة، المؤذية كما والمليئة بالشغف والمغامرات.

كان الإعلام شغف منيرة الخاص، وحلمها منذ الطفولة، كما تقول، وقد حققت هذا الحلم بطريقة فريدة وملهمة، وبما يقرب من المعجزة. ولمنيرة الحنشي قصة تشبه الأسطورة في كفاحها الفريد لبلوغ حلمها، يجب روايتها، أو من الضروري أن تروى.. وهو ما أخذته منصة حِمير على عاتقها، حيث أجرت حواراً صحفياً خاصاً مع الإعلامية اليافعية منيرة الحنشي، للحديث حول قصتها الشيقة في دراستها للإعلام والكثير من التفاصيل الأخرى..

نترككم مع الحوار.

المحاور: أولاً: من هي منيرة الحنشي، وأين تقفين الآن، نريدك أن تعطيني نبذة مختصرة عن حياتك وما تمثليه راهناً؟

منيرة الحنشي: منيرة الحنشي فتاة ريفية من عائلة بسيطة فلاحة، ولدت في قرية مورق ـ الحنشي يافع مديرية رصد بمحافظة أبين. 

تربت وترعرت في منطقة الحنشي، بدأت تعليمها الدراسي في المرحلة الابتدائية بمدرسة الحنشي، وأكملت مرحلة التعليم الثانوي في منطقة الصفاءة المجاورة لمنطقة الحنشي، من ثم انتقلت إلى مدينة عدن للالتحاق بالتعليم الجامعي.

وكانت الوجهة هي قسم الإعلام بكلية الآداب ـ جامعة عدن، قبل أن ينفصل لاحقًا ويتحول إلى كلية مستقلة. رتخرجت من الإعلام في العام 2020م تخصص إذاعة وتلفزيون.

أما فيما يخص الشق الآخر من السؤال، فيمكنني أن أقول أنني حققت العديد من الأشياء في حياتي، كما أسعى لتحقيق المزيد خلال السنوات القادمة.. أولى هذه الانجازات كانت إكمالي لدراستي رغم الظروف الصعبة التي تخللتها، وهذا يعتبر إنجازا كبيرا بالنسبة لي، إذ أني مريت بتحديات كبيرة وتغلبت على الكثير من الصعوبات لحتى وصلت للنهاية التي كنت دائمًا ما أحلم بها.

كذلك أشعر بسلام ذاتي وداخلي كبير بعد أن أكملت مراحلي التعليمية، وحققت ما ظللت أطمح من أجله. كما أطمح الآن إلى إكمال دراسة الماجستير، في قسم العلاقات العامة، بكلية الإعلام، ولي طموح أن أدرس الدكتوراه في العلوم السياسيّة.

المحاور: يتضح مما قلتيه أن ثمة قصة ملهمة تختبئ خلف هذه السيرة الشخصية التي ربما تكوني قدمتيها بأختصار نظراً للوقت المحدود الممنوح للإجابة، أخبريني أولاً كيف استطعتي إقناع والداكِ بالانتقال إلى عدن، وثانياً كيف وافقا على فكرة دراستك الجامعية، خصوصاً كون التخصص إعلام، وهو تخصص يثار حوله كثير من اللغط، على الأقل في مجتمعنا؟

منيرة الحنشي: إذا كنت قد أقنعتهم في داستي الإبتدائية والأساسية بمدرسة مختلطة بنين وبنات، كنت أنا الفتاة الوحيدة بين الأولاد في شعبتي الدراسية حتى اكملتها، وكذلك إنقاعهم بدراسة الثانوية في المنطقة المجاورة لمنطقتي حيث كنت أمشي لوحدي مسافة طويلة حتى أصل إلى تلك الثانوية التي تبعد قرابة الساعة والنصف مشيا على الأقدام، كان من السهل عليهم أن يقتنعوا بدراستي للجامعة في عدن، خصوصاً كوني مع إخواني وأخواتي.

والحقيقة أن لديّ عائلة افتخر بها جداً، هذه العائلة العظيمة دائماً ما كانت تشجّع الفتاة على التعليم، ولست وحدي من درست الجامعة من عائلتنا، فعائلتنا تشجع المواهب وتدعم الأفكار، ولا تقف في طريق حلم أحد. 

أنا مدينة لعائلتي بالكثير من المواقف الجبارة والسخية التي لا يمكنني رد الجميل لهم مقابل تفهمهم ودعمهم لي في تحقيق أحلامي وإنجاز طموحاتي والوصول إلى ما أنا عليه اليوم من النجاحات التي أفخر بها.

أما بخصوص إقناعهم بدخول مجال الإعلام، في الواقع كان الأمر صعباً بعض الشيء، نظراً لكوننا عائلة محافظة وقبلية تتمسك بعاداتها وتقاليدها _ عائلتي بشكل خاص ومنطقتي بشكل عام _ ونظراً لكون الإعلام محاط بنظرة شائكة ومستريبة، وهذه بالطبع نظرة مغلوطة وغير دقيقة لا يسمح المقال بتوضيحها الآن.. إنما ما أود قوله هو أن إصراري الشديد وإلحاحي الكبير هو ما جعلهم في نهاية المطاف يقبلون بالأمر ويقتنعون به، وفي الأخير كانوا هم سندي وداعميني الأوائل طيلة مرحلة الدراسة الجامعية.

وأريد لفت نظركم إلى شيء مهم، وهو أن ثقتهم بي وبمحافظتي على العادات والتقاليد السليمة أكثر من أي شخص آخر، كان سبب كبير في سماحهم لي بإتمام دراستي الجامعة في مجال الإعلام.

في النهاية يمكنني القول أنني فتاة عنيدة جداً وصبورة، وعندما أريد تحقيق شيء، وأرى أنه سليم لا خطأ فيه، أضعه نصب عيني، أمنحه جل تركيزي، وأحارب لأجل الوصول إليه.

فالحياة بالنسبة لي حربا مفتوحة، إذا لم تحارب فيها، ستسلب منك حياتك وحقوقك وتغدو لا شيء.

المحاور: يلتمس المرء شغفا خاصاً من خلال حديثك حول الإعلام، ثمة ما يوحي بأن علاقة حميمية تربطك بهذا المجال، أخبرينا ما سر هذا الشغف، ولماذا أخترت دراسة الإعلام بالذات؟

منيرة الحنشي: يمكني القول بأن هذا هو أهم سؤال يوجه لي، وأشكرك جداً لكونك سألتني إياه، وسأحاول بحماس خاص أن أقدم إجابة دقيقة وشغوفة تساوي ذاك الشغف الذي دفعني للتشبث بمجال الإعلام..

أولًا: أخترت الإعلام لكوني أحب هذا المجال كثيراً، ومنذ المهد.. حيث كنت منذُ طفولتي رفيقة الراديو في قريتي، كان الراديو المرآة التي أراقب بها العالم، لم نكن نعرف ما يجول في العالم سوى ما كان يخبرنا به هذا المذياع الصغير حجماً والشاسع أفقاً، لقد كان الراديو نافذتي التي أطل من خلالها على الوجود، وأتلمس بها الأشياء للمرة الأولى. لذا توثقت العلاقة بيننا، وصار هناك ما يشبه الغرام المتبادل، هو يزودني بأخبار العالم وينقل لي تفاصيل ما يعتمل داخل المعمورة وأنا أكدس له الكثير من الشغف والحب. طبعاً كان ذلك قبل وصول الإعلام الحديث إلى حياتنا، وقبل الفتوحات التي تحققت في عالم السويشل ميديا ومواقع التواصل الاجتماعي وما حدث من إنفجار في عالم الصحافة الرقمية.

كبرت إذن على هذا الولاء للراديو الذي أخذ يتنامى شيئاً فشيئاً، وحين غدوت على أعتاب دراستي الجامعة لم أجد بدلا من الالتحاق بقسم الإعلام الذي كان قد أستحوذ على كل شغفي.

ثانياً: الإعلام يمثل في عمقه رسالة سامية وهادفة ومهمة، وبكل اعتزاز أزعم أني وعيت هذا مبكراً منذ بداية التحاقي بالدراسة الجامعية للإعلام. إنه ليس النشرة الخبرية ولا تحرير الأخبار ولا حتى ذياعة التقارير، بل مرآة البشرية التي ترى من خلاله نفسها والآخر ولغة الشعوب المشتركة، والصورة التي تنقل ما لدىّ المجتمعات والشعوب من ثقافات وإرث وتاريخ.. كما وقد أصبح اليوم عامل تثقيف مهم للأفراد وحتى للجماعات، وباعتقادي أن تلك الجملة التي تفوه بها أحد الأدباء الكبار القائلة: "أعطني مسرحاً أصنع لك شعباً مثقفاً" أظنها دليلًا إضافيًا يدعم ما أقوله، حيث المسرح أحد الجوانب الفنية المهمة المرتبطة بشكل ما بالإعلام. إذن فالإعلام عامل مهم من عوامل التثقيف ونشر الوعي والمعرفة بين الشعوب. 

فدخول المرء مجال الإعلام يخلق له آفاق جديدة وبحور من العلوم والمعارف ويكوّن له ثقافة واسعة، وقد أصبح اليوم يتحكم بجميع مجالات الحياة خصوصاً بعد ظهور الانترنت وإنفجار الإعلام الجديد والسوشيال ميديا.

المحاور: أنتِ يافعية، تنحدرين من أسرة فلاحة ومحافظة على العادات والتقاليد كما تقولين، ومع ذلك تسنى لك مواصلة دراستك الجامعة واليوم أنتِ خريجة وتشتغلين في مجال الإعلام وتحضين بسلام داخلي كبير؛ كيف أستطعتي إنجاز كل ذلك، إذن ما الذي فعلتيه لحتى نجوتي من لعنة العادات التي أعاقت المرأة اليافعية منذ سنوات طويلة ووقفت سداً منيعاً أمام تعليمها وطموحها وكبلتها، خصوصا والحديث عن التخصصات الإنسانية، ومنها الإعلام. بماذا تعلق منيرة على هذه التساؤلات؟

منيرة الحنشي: أعتقد أن الأمور أختلفت كثيراً، المرأة اليافعية لم تعد حبيسة هذا النمط من الحياة الذي يعزلها عن محيطها ويقولبها في جانب ضيق لتبقى رهينته حتى تموت. 

اليوم المرأة اليافعية أقبلت على التعليم وبشراهة منقطعة النظير، أعرف الكثير من النساء اليافعيات المتفوقات في دراستهن، قبل سنوات قليلة لم يكن هذا العدد من النساء اليافعيات موجود في الكليات والجامعات، بينما اليوم يملئن الساحات العلمية، لقد دخلت المرأة اليافعية الحياة العلمية والثقافية ومن أوسع أبوابها، لقد أرست وجوداً معرفياً في جميع مجالات العلوم الإنسانيّة والعلمية ووصلت إلى مراكز عليا فيها.. وهذا محط فخر واعتزاز لكل يافعي.

صحيح هناك بعض الأسر ما زالت متزمتة ومتقيدة ببعض العادات التي تحرم المرأة من دراسة العلوم الإنسانيّة في الجامعات إلا أن هذا الحجب سوف يختفي ويتلاشى مع مضي الأيام وتطور المجتمع، نحن ما زلنا في البداية، وسيأتي اليوم الذي تحضى فيه كل فتاة يافعية بحقها في دراسة التخصص الذي تريده؛ وبدعم كامل من أهلها وأقاربها، أنا واثقة تماماً بهذا.. إنه لقريب.

والإعلام لا يختلف عن هذه العلوم، بل إنه يشكل محور الحياة ونهضتها الثقافية، ومن يتابع الثورة الإعلامية في وقتنا هذا يدرك ما أقوله، كما ويلاحظ الإسهام الكبير للمرأة في صياغة الخطاب الإعلامي العام. 

فالمرأة تمثل عنصرًا شريكًا وفعالاً في المعادلة الحضارية الأساسيّة للشعوب.. فكما لا نهضة من دون المرأة، لا إعلام حقيقي من دون الكادر النسائي المتخصص. فإذا أردت أن تهدم مجتمعًا فعليك بإقصاء نسائه من الحركة التنموية والثورة والثفافية فيه.

المحاور: بماذا تنصحين النساء اليافعيات بشكل عام، ثم اللواتي يتهيئن للإقبال على الدراسة الجامعية، هل تنصحينهن بدراسة الإعلام مثلاً؟

منيرة الحنشي: لديّ نصيحة لنساء يافع بشكل عام، أدعو كل واحدة منهن بأن لا تهمل الدراسة الجامعية فضلاً عن الثانوية والتعليم الأساسي، عليهن أن لا يغيبن موضوع الدراسة من بالهن أبداً وأن يكن طموحات، فلا قيمة للإنسان اليوم، سواء كان رجل أو حتى امرأة، إلا بالتعليم والتعليم وحده.. 

وبخصوص الفتيات القادمات على الدراسة الجامعية، عليّ أن أقول لهن بأن كل واحدة منهن تدرس التخصص الذي تميل له، وإذا ما كانت هناك نساء يملن للإعلام فنصيحتي لهن بأن لا يترددن لحظة في الالتحاق بهذا المجال الشغوف والممتع.

عليهن فقط أن يكن طموحات وجادلت. وأن لا يعبأن بالصورة المشوهة التي صورت المرأة بشكل هامشي ولا تتوافق مع الواقع المعاش. حيث تم التركز على أعمالها الهامشية التي تتضمن الأعمال الدرامية واستغلالها لأغراض معينة، دون التركيز على أدوارها الحياتية العصرية المهمة التي تظهر كفاءتها الحقيقة وقدرتها الفعلية على تنمية ونهضة مجتمعها.