ثورتا سبتمبر وأكتوبر.. تحليل تاريخي ورؤية استراتيجية. مقال. د. عارف عبده الكلدي
قدر الله للشعب اليمني في التاريخ المعاصر تأسيس نظام جمهوري أعاد إلى أذهانهم عند تاسيسه إيحاءات اليمن السعيد في التاريخ القديم حينما كان اليمن دولة ذات سيادة.
وكان السبب المباشر لهذا التحول التاريخي الكبير حدثين تاريخيين في غاية الأهمية وهما ثورتا سبتمبر وأكتوبر.
فما هو مستند هاتين الثورتين ورؤيتهما الاستراتيجية وقصتهما التاريخية؟
أولا: التحليل التاريخي:
أ: ثورة٢٦ سبتمبر ١٩٦٢م:

المستند الشرعي لهذه الثورة هو النضال الذي خاضته نخبة من الشعب اليمني فيما كان يسمى المملكة المتوكلية الهاشمية، ذلك النضال الذي سعى إلى إشراك الشعب في الثروة والسلطة وإحداث تنمية حقيقية تنقله من التاريخ الوسيط إلى التاريخ الحديث الذي كان بمعزل عنه.
استند هذا النضال في أصله إلى رؤية إصلاحية وليست ثورية تغييرية، تقوم على إسقاط نظرية الحق الإلهي للسلالة من آل الحسن والحسين والاعتراف بهذه الأسرة الحاكمة كأمر واقع بشرط إحداثها تغييرات في فلسفة الدولة على نمط الملكية الدستورية، ومن هذا المنطلق قامت حركتا ١٩٤٨م وما تبعها من أحداث كان ابرزها حركة ١٩٥٥م.
مع بروز الحركة القومية العربية وتأسيس الدولة الناصرية في مصر العربية على أنقاض الملكية هناك برز المد القومي الثوري على مستوى الوطن العربي عموما.
وفي اليمن قامت مخابرات هذه الدولة الثورية المصرية القومية العربية بتأسيس تنظيم الضباط الأحرار في الجيش اليمني للقيام بثورة انقلابية على النمط المصري، وهو ما تم بالفعل صبيحة السادس والعشرين من سبتمبر سنة ١٩٦٢م.

كان قد سبق ذلك الحدث قيام تنظيم الضباط الأحرار بمحاولة اغتيال الإمام أحمد في تعز، وهي محاولة أدت إلى إصابته إصابة خطيرة فقد بعدها بأيامٍ حياته، وتولى مكانه ابنه البدر الذي أعلن استجابته للرؤية الإصلاحية للبلاد، وهو الأمر الذي أدى إلى اعتراف الحركة النضالية التاربخية به، بالبيان التاريخي المشترك بين زعماء النضال الكبار: الزبيري والنعمان والإرياني، ولكن تنظيم الضباط الأحرار المدعوم مصريا كانت له كلمة أخرى صبيحة السادس والعشرين من سبتمبر ١٩٦٢م إذ أعلن عن قيام نظام جمهوري على أنقاض النظام الملكي.
وهو الأمر الذي أدى بالسعودية إلى تبني البدر؛ لتبدأ بعدها حرب أهلية يمنية وراءها الجيشان المصري والسعودي استمرت خمس سنوات قتل فيها عشرات الألوف من اليمنيين والمصريين والسعوديين.
انتهت الحرب فعليا مع نكسة المشروع القومي العربي في حزيران سنة ١٩٦٧م الذي أدى إلى انسحاب مصر من اليمن وخلو الجو للمملكة العربية السعودية التي لم تعد لها رغبة بدعم الأسرة الهاشمية القرشية المنافس الحجازي التاريخي للأسرة الحاكمة النجدية التي استتبت لها الأمور في أغلب مساحة جزيرة العرب بعد قضائها على الأسرة الهاشمية الحاكمة في الحجاز (الأشراف) والأسرة الهاشمية الإدريسية في عسير، فتعاملت مع النظام الجمهوري واعترفت به كمطلب مصري مقابل الانسحاب، وذلك بعد أن ضمنت كونه نظاما جمهوريا مسالما يسير في فلكها مثل بقية دول الخليج، وهو الأمر الذي أدى فيما بعد إلى استقرار وتنمية الجمهورية العربية اليمنية بعد القضاء على بقايا الرغبة الثورية التي كان يقودها إبراهيم الحمدي.
ب: ثورة ١٤ أكتوبر ١٩٦٣م:

المستند الشرعي لهذه الثورة هو النضال الذي خاضه الشعب ضد الاستعمار البغيض الذي كرس فيه الجهل والفقر والمرض، وأعاده بسياسة (فرق تسد) الخبيثة إلى عصور الجاهلية، وأبعده بقرون طويلة عن العصر الحاضر، في الوقت الذي كانت فيه عدن وكأنها قطعة من بريطانيا، بينما سكان المحميات يعاملون فيها باعتبارهم أجانب من العصور القديمة مع معاناتهم الأمرين من الجوع والجهل وانعدام الأمن.
استند هذا النضال إلى المد الثوري العروبي ضد الاستعمار وأعوانه، وتشكلت عدة رؤى للنضال، منه النضال السلمي الذي تبنته الأحزاب والنقابات، ومنه النضال المسلح الذي فجر ثورة الرابع عشر من أكتوبر من جبال ردفان.
كما كانت ثورة سبتمبر منتجا مصريا ناصريا؛ فإن ثورة الرابع عشر من أكتوبر كانت منتجا من منتجات حركة القوميين العرب بجناحها اليساري الماركسي الذي تأثر بزخم المد الاشتراكي الشيوعي.
قررت الحركة اليسارية العربية مستندة إلى دعم المنظومة الاشتراكية وعلى رأسها الاتحاد السوفيتي خوض نضال في الوطن العربي لتخليصه من الاستعمار وما أسمته بالرجعية العربية، وذلك بتأسيس فروع ثورية لها في كل قطر عربي مع إسقاط قطر واحد إسقاطا كاملا ليكون ملجأ للمناضلين في بقية الأقطار العربية وقاعدة لإمداد تلك الحركات اليسارية.
وقع اختيارهم على جنوب اليمن لإسقاطه إسقاطا كاملا واعتباره ملجأً ومددا للحركات اليسارية العربية بل وغير العربية في أفريقيا وأمريكا اللاتينية، والظاهر انهم قرروا هذا القرار بعد فشلهم في إسقاط العراق.
بناء عليه توجه نايف حواتمه الفلسطيني الأردني صوب جنوب اليمن سنة ١٩٦٣م وبقي فيها حتى أواخر ١٩٦٧م، وسنة مجيئه هي السنة التي بدأ فيها الكفاح المسلح، ولا شك أن له الدور الأبرز في توجيه الخلايا القتالية نحو النظرية الماركسية اللينينية.
خلاصة التحليل التاريخي للثورتين أن ثورة السادس والعشرين من سبتمبر الناصرية ذبلت مع سقوط الفكر الناصري سنة ١٩٦٧م وثور أكتوبر اليسارية ذبلت مع سقوط المنظومة الاشتراكية وتفكُّك الاتحاد السوفيتي سنة ١٩٩٠م مع الأخذ بعين الاعتبار المشاكل الداخلية الخطيرة لكلا المنظومتين الناصرية والماركسية... ولكن هل سقطت استراتيجية الثورة اليمنية بمفهومها الواسع الذي يتجاوز الناصرية والماركسية؟
ثانيا: الرؤية الاستراتيجية:

الحركة النضالية للشعب اليمني واسعة رحيبة؛ لها رؤى مختلفة بما فيها الرؤية الناصرية والرؤية اليسارية اللتان خطفتا حركة النضال اليمني في ذلك الوقت مستغلتين الزخم القومي والاشتراكي، ولكن حركة الشعب يقينا أوسع من هاتين الرؤيتين، وأعمق من الزخم الثوري الخاطف الناشط في ظرف محدد، فمع اختلاف الرؤى يتفق الجميع على الهدف، وهو تأسيس دولة ذات سيادة تمتلك موقعها الجغرافي وثرواتها وتكون متناغمة مع جيرانها في جزيرة العرب والوطن العربي وفق علاقات متكافئة.
هذه الرؤى المختلفة في الفلسفة، المتفقة في الهدف، المتنافسة في الميدان عادت إلى الساحة مع توحُّد الثورتين وتأسيس الجمهورية اليمنية التي صاغت دستورا محترما وقوانين من أفضل القوانين ولكنها لم تستطع أن تلتزم بهذا الدستور وتنفذ هذه القوانين وتنتظم في وحدة الهدف الاستراتيجي بسبب اختطاف الجمهورية اليمنية من مركز متنفذ سيطر على مقدرات الأمور يضايق سيرورة النضال اليمني نحو الهدف المنشود، وهو الأمر الذي تراكم احتقانه حتى انفجر في فبراير سنة ٢٠١١م مع زخم حركة الشعوب العربية.
كشف هذا الحراك الشعبي عن واقع معقد للغاية في اليمن وفي الوطن العربي عموما، واتضح ان الشعوب العربية من الضعف والتأخر في حالة لا يحسد عليها، ويرثى لها من وقوعها تحت سيطرة ظلم الأطماع الاستعمارية الإمبريالية.
ولكن الشعب في اليمن صار الآن اكثر وعيا بحقوقه وأهمية بلاده وموقعها الاستراتيجي، ومع هذه الدروس العملية بدأت الأجيال الجديدة تنظر إلى الثورتين نظرة مختلفة عن تلك النظرة الرتيبة الباردة التي تعلموها في المدارس التي لا تتجاوز اعتبار ذكراهما السنوية إجازة وفرصة للفسحة ولم يعرفوا حقيقتهما الحارة وتضحياتهما الكبيرة إلا مع هذا التغير التاريخي الخطير الذي يضع معالمه أعداء الثورتين.
لهذا نوجه نصيحة إلى الجهات الخارجية التي تدير الملف اليمني حاليا إلى ضرورة إشراك الشعب واحترامه في بلده؛ لأنهم لو صاغوا نظاما ظالما تكون أولويته لرعاية الأطماع الأجنبية فإن هذا الشعب سينتفض مرة أخرى كما انتفض في خمسينيات وستينيات القرن الماضي وستعود دورة الصراع والعنف من جديد.
بمعنى آخر يجب على هذه الدول التعامل مع الشعب باعتبارهم أصحاب الحق وليسوا مجرد مواشي يتوارثونها، وإنهم إن احترموا هذا الشعب فإن الشعب من الطيبة بمكان بحيث يستطيع أن يعيش متناغما مع النظام الدولي والإقليمي إذا احتُرمت كرامته وسيادته.
كتب المقال الدكتور. عارف عبده الكلدي
١٢ أكتوبر ٢٠٢٢م.
