قصيدة: ... إنما حزينة وطافحة بالمأساة, للكاتب: عبدالقادر زايد.

قصيدة: ... إنما حزينة وطافحة بالمأساة, للكاتب: عبدالقادر زايد.

الكاتب. عبدالقادر زايد 

صباح الخير يا أبي… وبعد:

الحياة في المدينة قاسية وظالمة حد الكمد، والحال لم يعد يحتمله أحد، منسيون نحن وفقراء البلد، بلا جدار نستند عليه..

نحن وأيتام الحواري بلا سند.

وكهول الأزقة العابسين، وعمال الأرصفة المكدودين، وجلون لألف سبب،

يحيرون خلاصاً ليس من الوارد أن يأتي أبد.. ينتظرن المدد،

فهل يا أبي سيأتي المدد.. هل سينجدهم أحد..؟

جوعى بلا خبز أو لبن، عراة بلا معاطف ولا سراويل داخلية، غلابى لا يملكون أرصدة،

وفي أعناقهم دين لكل أحد..

ومن القرى البعيدة، هناك حيث تركوا أطفالهم جوعى ونساءهم حزانى، يسمعون قرقرة بطون ذويهم الخاوية وصرير أسنان صغارهم إذ تقضم نفسها فتجهش أعينهم قهراً،

وتنزف قلوبهم رمد..

فهل سيحس بذلهم أحد..؟

أيمكن أن يستثير هذا البؤس العريض ضمير مسؤلي البلد..؟

ولا أحد.. لا أحد يا أبي. لا أحد.

نئن تحت أقدام الأوباش وننازع لحظاتنا الأخيرة.. اللصوص يا أبي هم حكام المدينة.. النشالون ملوك هذا الزمن اللعين وأرباب الفضيلة..

السفلة يديرون الموانئ ويشرفون على آبار النفط،

يجمعون الضرائب لجرارهم الخاصة،

يحصدون الأتاوت من أفواه الجوعى،

ويقودون دفة السفينة.

ملعونة هذه المدينة يا أبي.. الحياة هنا مائعة ومختلة، والشياطين يحكمون قبضتهم على كل شيء في البلد..

لقد تخلى عنا العالم وتركنا فريسة لهؤلاء الأوغاد،

العالم لا يحمل مثقال ذرة من عدالة،

هذا ليس زمننا يا أبتي.. إنه زمن الوضاعة،

زمن الكروش الفاسدة والرتب،

زمن الضمائر المتعفنة وقليلو الأدب.

أنا مجرد ذبابة يا أمي.. ذبابة حقيرة تعيش على الهامش المنسي حيث لا يأبه لوجودها أحد..

ذبابة عليها أن تكون مستعدة لتلقي الصفعات ممن هم أكثر جبروتاً وسطوة،

عليها كل مرة أن تفر إلى البعيد مفسحة المجال لذوي اللحى الكريهة،

لسائقي الأطقم التافهين،

لقادة الكتائب البلداء،

لهوامير العقار..

أنا ذبابة يا أمي، وعليّ أن أتنحى جانباً مخلياً الطريق للنساء الجميلات،

للكتّاب المعتوهين،

للبراجوزيين السفلة،

للإعلاميين المنحطين الذين تتقيأ أقلامهم قوت الفقراء،

لباعئي الوطن والكرامة بورقات خضراء،

عليّ أن أبقى وحيداً يا أمي،

مشرداً.. وضالاً.. كيلا يتأذى مني أحد..

أنا لا شيء في هذي المدينة، لا أحد.

تقولين لي بطلي وتفخرين بي.. أنا لستُ بطلاً إلا في عينيكِ يا أمي،

 وتلك بطولة ليس لها حد. 

فصباح وجهك الجميل، الحزين، العذب يا أمي،

حين تنامين، وحين تستيقظين، وحين تذهبين باكراً إلى الحقل مزدانةً بالهرد.. وحتى الأبد.