المذهبية في عصر المادة مقال للشيخ علي المحثوثي
منصة حِميَر
الشريعة الإسلامية خالدة، والفقه الإسلامي باق ومتجدد، وحركة الإجتهاد الفقهي دؤوبة ومستمرة، والدين الحق مناسب ومواكب ومصلح للزمان والمكان، وتظهر آثار بقاء الدين وقوة الشريعة وتجدد الفقه عن طريق التعليم الديني الراشد، أما التقليد في التعليم والمناهج والوسائل، وضعف المواكبة فتكسو الفقه بحالة من الجمود والتقهقر أمام سيل الشبهات والإتهامات خاصة في عصرنا المادي والعقلي الذي صارت سلطة المادة والشهوة والاتهام هي الأعتى نفوذا والأطغى حضورا، وسُلطت فيه على الدين الحق وسائل الإعلام بأنواعها ومراكز الأبحاث ودور النشر والطباعة والمنظمات والتنظيمات، وتفنن الشرق والغرب في تشويه الإسلام، وإيقاف حركته، وضرب مفاعل فاعليته، وانطلقت الشبهات نحوه كالشرر تقذف هنا وهناك، وتصيب هذا وذاك، وردد الببغاوات شكوكهم وشبهاتهم على العقيدة والفكر والفقه، وحتى التمذهب الحق أيضا لم يسلم من الإتهام، وهو البريء، إذ قالوا عنه: لماذا لايكون الفقه واحدا؟ ولماذا أربعة مذاهب فقهية أو ستة أو تسعة؟.. أليست هذه فرقة وأحزاب، والدين يدعو إلى الإجتماع كما في نصوصه؟
ولأن الدين الحق قوته فيه، وسلطته ذاتية، وجوابه ظاهر على كل شبهة، وقذائف النقل والعقل على الباطل أوتوماتيكية﴿بَل نَقذِفُ بِالحَقِّ عَلَى الباطِلِ فَيَدمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ﴾ كان الجواب البدهي: أن المذاهب الفقهية ليست خلافا، بل اجتهادا، واجتهاد لا في الأصول، بل في الفنيات والجزئيات وهي قليلة جدا جدا، فصلاة الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي واحدة، وصيامهم واحد، وزكاتهم وحجهم ومعاملاتهم واحدة، فلايهولنك عرض مسائل الخلاف المقارن، أو خلاف الأصحاب، إنها ليست إلا في جوانب فنية لاجوهرية، وفي فروعيات تفصيلة محدودة، وكل ذلك مظهر لتعدد الأفهام، وفتح لباب الإجتهاد في الاستنباط من نصوص الشريعة لملء الزمان والمكان بأحكام الله وحججه، والشريعة بالمناسبة إلهية صالحة مصلحة لكل قابل للصلاح، والفقه بشري متجدد مواكب، لكن الخطأ قد يطرأ على الفقه والإجتهاد عن طريق بعض من لايحسن الإجتهاد والتمذهب، والفرض الواجب والحق الحقيق لهؤلاء خاصة في عصرنا أن يُظهروا واحدية المذاهب الأربعة، في الأصول والقواعد والكليات، وأن المتفق فيه أكثر من المختلف فيه، ويبينوا أن خلافيات الفقه ليست إلا رحمة وهداية، وغايتها ومقصدها واحد، ويعلموا طلابهم أخلاق الخلاف، وآداب التعامل مع النصوص المختلف في فهمها، وأن الخلاف الفقهي مظهر من مظاهر الائتلاف والإجتماع، بحيث يظهر للعالمين أن المذاهب الفقهية ليست أحزابا ولا شيعا، فالأسماء المذهبية فرضها واقع زمني سابق نتيجة بُعد البلاد، واختلاف أحوال الخلق، وتعدد زوايا النظر إلى النص الشرعي، فأبو حنيفة كان فقيها قياسيا، ومالك حديثيا أثريا، والشافعي لغويا أصوليا، وأحمد كان محدثا فقيها، وبتعدد التخصصات تعدد الاجتهاد، وتنوعت مدارس الفقه، وبهذا ظهر سعة النص الإسلامي، وثراء معانيه، وامتلاء ألفاظه بالمعارف، وحسن مواكبته، ومراعاته للمتغيرات والمستجدات.
كما يجب على المدارس الفقهية أن تجتنب التعصب المذهبي، وشحن الطلاب بالفوقيات والطائفيات مما يخلق ردة فعل عكسية عند البعض، اذ يجد في ذلك فرقة وتحزبا في الدين ثم شكوكا وتركا، وربما هروبا إلى المذاهب الدخيلة كالعلمانية والليبرالية والحداثة أو الإلحاد، وهذا مايستغله أعداء الملة والأمة في بث الشكوك وإثارة الشبهات مستغلين حالة الخلاف، وتصويرها كأشد ماتكون وأبشع، وتضخيمها وتهويلها، وتخويف المسلمين من الدين الذي قال الله عنه وعن فقهه وأخلاقه
{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}.
