استراتيجيات الإعلام الجديد في مكافحة الإرهاب.
إشكالية العلاقة بين الإعلام الجديد والهوية والإرهاب دراسة نقدية نشرتها مجلة معهد البحوث والدراسات العربية كتبها أستاذ فلسفة التاريخ والحضارة في جامعة عدن الأستاذ الدكتور قاسم المحبشي وهذا ملخصا مؤجزا لتلك الدراسة:
لما كان الإعلام الجديد هو جزء أساسي من تطور الحضارة الإنسانية المعاصرة في عصر العولمة وما بعد الحداثة فمن المؤكد أن تطوره وازدهاره سيستمر في تصاعد متزايد ولا بديل لذلك وبغض النظر عن كل السلبيات والأخطار المصاحبة لهذا التطور، إذ من الصعب إقناع العالم الكف عن استخدام الإعلام الجديد في تدبير شؤون حياته الراهنة بعد أن باتت شديدة الاعتماد عليه في مختلف مناحي الحياة، فلا مندوحة لجميع سكان هذا العالم (دولا وشعوبا ومؤسسات وأفرادا) من التفكير والبحث الجاد عن خيارات بديلة لجعل العالم أكثر أمنا وأمان وذلك باتباع استراتيجيات إعلامية رشيدة كفيلة بفك الاشتباك الاسود بين الإرهاب الجديد والإعلام الجديد، أما كيف يتم ذلك؟ فنقترح المداخل الآتية:
1_ مدخل الإعلام العلمي:
يضع الإرهاب الجديد بما هو ظاهرة اجتماعية العلوم الإنسانية والاجتماعية أمام تحديات منهجية ونظرية بالغة الخطورة والأهمية، إذ مازال المشتغلون في العلم الإنساني في حيرة من أمرهم تجاه مشكل الإرهاب ومداراته الفاجعة، ومازال سؤال الإرهاب فاغر فاه متعطشا للفهم والمعرفة العلمية العقلانية الممكنة، فما هو الإرهاب؟
وماهي العوامل والشروط التي تنتجه؟
وكيف نميز بين الإرهاب وغيره من الأفعال العنفية الأخرى؟
وما الذي يدفع انسانا بكامل قواه العقلية إلى تفجير ذاته وتفجر الاخرين ؟
وماهي سيكولوجية الإرهاب؟
وماذا بوسع الأسرة والمدرسة ودور العبادة والمجتمع والدولة فعله كي يكف الشباب والشابات عن انتهاج هذه الطرق المهلكة؟
وغير ذلك من الأسئلة الشائكة التي تقع في صميم عمل الفاعلين الأكاديميين في حقل الدراسات الاجتماعية والإنسانية.
ويستطيع الإعلام الجديد لعب دوره في ذلك من خلال إتاحة المجال للمشتغلين في العلوم الإنسانية والمهتمين لمناقشة هذه الأسئلة في الوسائط الإعلامية المختلفة بشفافية وفتح نوافذ للحوار العلمي العقلاني الجدير بالقيمة والاعتبار في هذا الشأن. وبذلك يتكامل الجهد الإعلامي مع الجهد العلمي في البحث والتوعية والنشر والتنوير.

2_ مدخل الإعلام البديل (إعلام السلام):
اثبتت المقاربة الإعلامية للظاهرة الإرهابية في السنوات القريبة الماضي بانها تزيد من مدى شيوعه واشتعاله وانتشاره بدلا من التقليل منه ومحاصرته، وذلك ناجم عن أسباب كثيرة منها (عدوى العنف ) وقدرته على استثارة الغرائز العدوانية عند شرائح واسعة من الجماعات المحبطة "فلئن كان الشعور بالإحباط أحياناً ذو عواقب إيجابيّة إذ يمكنه، على سبيل المثال، دفع الأفراد للتغلّب عليه وتحقيق تطلّعاتهم؛ إلاّ أنّه قد يؤدّي أيضاً إلى الشعور بالاستياء والاعتقاد بأنّهم يستحقّون أفضل ممّا هم عليه، وهو ما يمكن أن يخلق قوّة مدمرّة.
قد يغدو الأمر أكثر خطراً حين تتجمّع هذه الإحباطات الفرديّة وتلهم حركة دعويّة يمكن أن تكون عنيفة بفعل حركة المقاومة التي قد تجابهها من النظام الاجتماعي السائد"ويقترح الباحثان يوهان غالتونغ وجاك لينش، التمييز الدقيق بين طريقتين للأعلام والعنف، (منحى " العنف النصر" أو منحى "النزاع السلم"

3_ مدخل الإعلام الثقافي:
ينطلق هذا المدخل من فكرة كيف يمكن للإعلام أن يساعد في جعل الثقافة بيئة آمنة وقادرة على تنمية وتخصيب قيم وشروط التعايش الاجتماعي الإنساني بين الناس، إذ أن الثقافة في جوهرها الإنساني التاريخي الإبداعي بوصفها ذلك الكل المركب الذي يشكل تفكيرنا وخيالنا وسلوكنا وقيمنا وعاداتنا وتقاليدنا وهي فضلا عن ذلك أداة لنقل السلوك ومصدر دينامي للتغيير والإبداع والحرية وتهيئة فرص الابتكار والمنافسات والمبادرات الفردية، وهي مصدر للطاقة والإلهام والتنوع والاختلاف والشعور بالهوية والانتماء. فالثقافة هي الرحم الحي لتنمية وتخصيب القيم الإنسانية الآمنة. ولكنها يمكن أن تكون على نقيض ذلك، " فالسياسة والاقتصاد والفن والأدب والفكر، والعلم وكتابة التاريخ والخطاب الديني والايديولوجي، كل ذلك يمكن أن يكون داعما للسلم، كما قد يكون محرّضا على العنف"

4_ مدخل الإعلام الديني والفكري:
بالاتساق مع الفكرة الجوهرية التي تقول أن الناس يسلكون بحسب مع يعتقدون ويفكرون ويتصورون علاقتهم بالعالم والحياة والمجتمع إذ إن من اقتنع بأن الموت هو السبيل إلى الجنة وأن التفجير والانتحار هو فعل جهاد واستشهاد في سبيل الله -سبحانه وتعالى- لا يمكن أن تخيفه القوة العسكرية مهما بلغت ضرباتها وسطوتها، بل ربما تزيده حماسة وإصراراً على السير في هذا الطريق الشديد الوعورة والانحدار، ولأمر كذلك فإن السبيل الممكن في مواجهة العنف والتطرف والإرهاب هو العمل على تغيير القناعات والأفكار بالتربية والتعليم والتنوير والتفكير، وعلى جميع المؤسسات (الأسرة وروضات الأطفال مدارس ومساجد ورجال الدين والدعاة والمفكرين والإعلامين ) تقع اليوم مسؤولية العمل على تعديل وتهذيب وتنوير الاعتقادات والقناعات عند الأطفال والشباب وجميع الأفراد المغرر بهم حتى تساعدهم على تغيير سلوكهم وأفعالهم وممارساتهم؛ إذ لا توجد قوة في العالم يمكنها ردع المقتنع عن تحقيق قناعته غير فكرة مقنعة أخرى ، فإما أن يكون السلام في الروضة والمدرسة ودور العبادة والأسرة والمجتمع والسياسة أو لا يكون! وكلما اتسعت فرص العيش الكريم للشباب، ضاقت فرص العنف والموت الذميم. ويستطيع الإعلام الجديد عمل الشيء الكثير في هذا الشأن بما يمتلكه من ممكنات وادوات بالغة الفاعلية والتأثير.

5_ مدخل الإعلام الأمني:
لا يقتصر الإعلام الأمني بوصفه كل ما تقوم به الجهات ذات العلاقة من أنشطة إعلامية ودعوية وتوعية بهدف المحافظة على أمن الفرد والجماعة، وأمن الوطن ومكتسباته في ظل المقاصد والمصالح المعتبرة. فحسب بل وفي تنمية القيم الإيجابية التي تأكد على حقوق الإنسان وصون حرماته وقيم التسامح والتصالح والتعاون والرحمن والحوار. ويتوقف وجود إعلام أمني فاعل وناجح على مدى اهتمام الأجهزة الأمنية وقناعتها بأهمية هذا النوع من الإعلام، الذي يعتمد في تغذيته على مدى تعاون الأجهزة الأمنية التي تقدم المادة العلمية والحقائق الأمنية إلى وسائل الإعلام، لتقوم هذه الوسائل بإعدادها في الشكل الإعلامي المناسب لعرضها على الجمهور بما يحقق التجاوب الجماهيري مع الأفكار الأمنية المطروحة. وعلى الرغم من القوة التي تتمتع بها وسائل الإعلام للعمل على تنمية الوعي الأمني، فإنها تبقى رهينة للمصادر التي تزودها بالمعلومات والتوضيحات والبيانات.
وهناك عدد واسع من المداخل الإعلامية الجديرة بالقيمة والاعتبار في مكافحة الإرهاب وتقليل اخطاره.
هذا مقتطف من الدراسة المنشورة في مجلة البحوث والدراسات العربية العدد الأخير، ويمكنكم تنزيلها من المجلة عبر الضغط على اسم المجلة بداية المنشور.
