اللهجات اليمنية
منصة حمير | مقال الشيخ: علي المحثوثي
كانت اللغة العربية لهجات وأصوات متعددة ومختلفة، تصل إلى حد أن البعض لايفهم الآخر في كثير مما يتكلم به، قال أبو عمرو بن العلاء القارئ المشهور: "ما لسان حمْير بلساننا ولا لغتهم بلغتنا. مع أن اللغة الحميرية قحطانية قديمة، والقحطانية أقدم لغة عربية بحكم نشأة بداية العرب في أرض قحطان، فلما نشأت العدنانية في شمال الجزيرة العربية ووسطها كانت العربية النزارية العدنانية التي اختلفت مع القحطانية، قال ابن جني: وبعد فلسنا نشك في بُعد لغة حمْير ونحوها عن لغة بني نزار. أ ه. وهما عربيتان تعودان إلى أصل واحد إلا أن اختلاف المكان والطباع والوافدات وأسباب أخرى صنعت فرقا بينهما.
إلى أن جاء القرآن فجمعهم في بوتقة واحدة اسمها (عربية القرآن) وخاصة في اللغة الدينية والخطاب المشترك بينهم، وبقيت اللهجات العربية في مواطنها تستخدم في الدارجة اليومية إلى عصرنا، ويظن بعضٌ أن اللهجات المحلية المعاصرة نشأة جديدة، وليس كذلك، بل هي موروث قديم للهجات العربية المختلفة مع زيادات كثيرة وإدخالات عليها من لغات أخرى.
#اليمن بتضاريسها ومناخاتها المختلفة ليست لهجة واحدة، فيها عشرات اللهجات والأصوات على مستوى المحافظات والجهات العامة، وأحيانا تختلف اللهجات على مستوى المديريات في المحافظة الواحدة، وأحيانا على مستوى القبائل، وأحيانا صوتيات اللهجة الواحدة تختلف من قرية إلى قرية، وهذا له أسبابه وأبعاده القديمة، فالأرض تصنع اللهجة، والطبع والغريزة يصنع اللهجة، وأسباب أخرى ظاهرة وخفية لها حضور في صناعة لغة الإنسان. وقس على ذلك كل بلد عربي بلهجاته وأصواته.
الله لم يجعل الإنسان لونا واحدا، ولا ذوقا واحدا، ولا صوتا واحدا، ولا لغة واحدة، بل جعل من آياته اختلاف اللغات والأصوات ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ﴾ وقرن الاختلاف بين الألسن باختلاف الألوان، كأنه يشير إلى أن طبع الإنسان وشكله ولونه يحدد لغته، والتعبير القرآني دقيق، إذ لم يقل (واختلاف لغتكم) بل قال {وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ} واختلاف اللسان يشمل اختلاف اللغة ككلام، واختلاف الصوت كنغمة.
ولأن الله جمع العرب بالقرآن والإيمان، كان أول جمع هو الجمع اللغوي، إذ لايكون أن يجمعهم بالإيمان مع بقاء لهجاتهم مختلفة، فاللغة هي الجامعة الأولى، والمشترك الأكبر، وبدونها يعود كل إلى سابقته.
إذن .. اختلاف اللغات واللهجات والأصوات ظاهرة طبيعية وآية إلهية، ولولم تكن كذلك لما كان خلق البشر {شُعُوبًا وَقَبَائِلَ} وماكانوا شعوبا مختلفة وقبائل متعددة إلا باختلاف لغاتهم أولا، ثم اختلاف أنسابهم وعاداتهم وطباعهم، وهذا يصنع حالة من التنوع والثراء البشري والغنى الآدمي للفكر والوعي والحياة، وبهذا تتم حالة التعارف بين البشر والتآلف {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}، ويلزم من الاختلاف اللغوي تعلم لغة الآخرين حتى يستفاد منهم أو يسلم من شرهم، وكما قيل: من تعلم لغة قوم أمِن مكرهم. والحكاية الشهيرة أن محمد بن سعيد بن دارم دخل أرضا حميرية، فزار سلطانها وكان في ذروة جبل، فقال له السلطان وقد رمى له بوسادة: ثِب. فظنها من الوثوب، وهي بالحميرية: اجلس. فرمى ابن دارم نفسه من الجبل، فاستغرب الملك الحميري، فقيل له: إنه فهم منك الوثوب، فقال الكلمة الشهيرة: من دخل ظفار حمّر. أي يتكلم الحميرية.
