النضج: الحب الذي لا يعرف الشيخوخة

النضج: الحب الذي لا يعرف الشيخوخة

مقال.عبدالقادر زايد

لا أدعم الفكرة التي تريد عقلنة كل ما ينتمي لعالم العواطف، وتتعاطى مع المشاعر بحسابات منطقية صارمة، فالحب حالة شعورية غامضة وملتبسة ليس من اليسير تحديدها أو إخضاعها لقواعد علمية ومنهجية واضحة، وكل محاولة لتنميط الحب وتسييجه داخل أطر علمية ومنهجية هي محاولة مكتوب فشلها سلفاً، ذلك أن العواطف الإنسانية ليست معادلات رياضية يمكن فك رموزها بحسابات رقمية دقيقة، إنما أعقد وأغمض من ذلك بكثير.

لكني أيضاً لستُ ممن يفصلون العاطفة عن العقل، ويصورون الحب غريزة عمياء لا تقبل أي تبريرات مقنعة بالمطلق، وبظني أن خطأ من يتخيلون الحب أشبه بمغامرة ميتافيزيقية مبهمة لا تحتمل التجربة يماثل خطأ من يريد منطقة المشاعر وعقلنة العواطف، بل ويفوقه، ذلك أنه يفتح الباب مشرعاً للأوهام، وأحيانًا قد يحول الحب إلى حماقة حزينة وقاتلة.

لا أجدها مقنعة بما يكفي؛ تلك الفكرة التي تحيل العواطف إلى غريزة مجنونة لاواعية، واختلاج شعوري منفلت من عقال العقل، فالحب وإن كان انجذاب غرامي عنيف وملتبس، لا يعني أنه شراهة عاطفية مفتوحة بلا حس يحكمها ويضبط شهيتها، إنما هو، خليط مركب من غرائز ومشاعر وأحاسيس عمياء وعواطف واعية تبتغي الراحة وتتحوط في نشدان التجربة الغرامية.. 

وبرأيي، إذا ما أردنا أن ننعم بتجربة غرامية رشيدة وثرية وفعالة، فلا بد من أن نضمن سيطرة بارعة على عواطفنا، ولو ضمن حدودها الدنيا.

إن من يجردون الحب من سماته الروحية والعقلية، لا يجعلون من الحب محض غريزة حيوانية منفلتة ومتبذلة فحسب، بل ويحولونه إلى مجرد هوّس ميتافيزيقي شقي، مريض بأشياء ليست موجودة.

إن من يبتغي حباً ناجحاً ومثالياً، يجب عليه أن يؤمن أولاً أنه، إلى حد ما، يمكن السيطرة على التجربة الغرامية وتنظيمها، من ثم ليبحث له عن شخص ناضج يقيم معه علاقة عاطفية واعية وفعالة… بدون وعي ناضج يعني غياب أي رؤية جديدة للعواطف ودورها في تحسين شروط الحياة الغرامية.

عزيزي الرجل: هل تفكر بصنع قصة غرامية رفيعة وخالدة؟.. لا تبحث عن المرأة الجميلة فقط، بل المرأة الناضجة. النضج صفة لازمة لرسوخ الحب وديموميته.

الحب صيرورة دائمة، وحدث مستمر، الحب ليس بضاعة جاهزة ومكتملة يمكن أن تقبض فائدتها فوراً وبمجرد أن تنجح في سداد قيمتها، بل مخاض طويل، علامة خطية تتكوّن وتنمو مدى الزمن، وقبل أن تصل العلاقة إلى ما يمكن أن نعتبرها حالة من الاستقرار والأمان العاطفي، لا بد أن تمر بمراحل متدرجة، كما وتخضع لاختبارات شتى: بالنضج وحده يمكنك السيطرة عليها، والتكيف مع تلك الصيرورات الممتدة، وضمان تجاوزها بأمان وراحة.

بالطبع، لا يمكن التقليل من شأن الجمال وحضوره المؤثر في العلاقة، يبقى الجمال مطلب مهم وضروري، بالذات لدى الرجال، أعرف هذا، غير أن النضج هو الضامن لاستدامة العلاقة والابقاء على العواطف حية ومتقدة، حيث التفاهم الكبير والوعي المشترك علامة حاسمة لاستقامة الحب، وهي استقامة مرهونة بكيفية إدارة العلاقة وبمقدار الوعي الذي يحمله طرفاها، ومدى تبصرهما بما هم بصدد ممارسته والنجاة بعواطفهم من فخاخ الحياة ومزالق النفس البشرية، سريعة التضجر، الملولة، والمتطلبة.

لا علاقة متدفقة ومزهرة على الدوام، لا عواطف نابضة إلى الأبد، ولا حب قادر على مجابهة تقلبات الزمن وإكراهات الواقع والاحتفاظ بجذوته مشتعلة لفترة أطول دون الاستناد لذهن ناضج يستوعب المخاطر والتحديات التي تواجه علاقته بالآخر، وخيال كبير يجيد فن التعامل مع المعوقات التي من الممكن أن تطرأ على العلاقة، قلب يقدس العاطفة ويحرسها، وعقل يبتكر ألف طريقة لحماية استحقاقات العلاقة وتأبيدها.

النضج مكسب كبير في المرأة، والأمر ذاته مع الرجل، وكما أن على الرجل أختيار المرأة الناضجة، على المرأة أيضاً أن تقصي من خيالها الطموحات المادية والمرغوبية وكل ما له صلة بالمعايير الاستهلاكية المعاصرة، وتتحسس في رجلها المستقبلي عن بقعة وعي تنير بها دربها العاطفي.. حين تنوي التوله برجل ما على المرأة أن تتأكد من مقدار النضج الذي يتمتع به وما إذا كان صالحاً، ذهنياً ونفسياً، لصنع سردية عاطفية راسخة وحقيقية؛ لا قياساً بمنسوب الوسامة الظاهراتية أو بالأرصدة التي يملكها في حسابه المصرفي، هذه قشور زائفة تروجها الثقافة الرأسمالية الجشعة، فقاقيع لا تلبث أن تتبخر في الهواء مع أول ريح، متع لحظية لا تشبع فضول القلب ولا تروي جانب الإنسان الروحي.

اغراءات مثل هذه هشة وزائلة، صحيح أنها قد أن تفتنك في البداية، لكنها تتبدد وتفقد معناها مع مرور الزمن، ذلك أن تأثيرها سطحي ومؤقت سرعان ما يتلاشى مخلفاً وراءه خواءً روحياً قاتلاً، ولا يمكن أن نؤسس عليها مداميك عاطفية صلبة ومستدامة.

لا أعظم للمرأة من أن يحبها رجلاً ناضجاً، عاشق ذكي يستند على خبرة عاطفية وافية، وثراء روحي ومعنوي كبير، أكثر مما يتباهى بما ليس من صنع يديه وبما هو من فعل الطبيعة المحض أو بحظوظ قدرية، رجل مثل هذا لا يمكن أن يقدر قيمة الثروة الحقيقية التي بين يديه ذلك أنه لم يبذل أدنى جهداً في كسبها، ومن لا يتعب في تحصيل أشياءه لا يسعه معرفة أثمانها الحقيقية، وبالتالي يريقها ببرود كأي شيء آخر من أمتعته الحقيرة..

هذا الرجل أبله ولا يملك الإحاطة الشاملة بالمرأة، عاجز عن الإلمام بأطباعها النفسية، ولا يمكن أن يستوعب أمزجتها المتقلبة. رجل أحمق هكذا سيعبث بقلب حبيبته كما يعبث الأطفال بتحف المنزل، سيدوس على مشاعرها وكأنه داس حشرة، وسيحطم عاطفتها ببرود دون أن يرف له جفن، ذلك أنها لا تعني له سوى سلعة رخيصة، وبالمال الذي أشتراها به سيسهل عليه أن يشتري أخرى غيرها.

بينما العاشق الحقيقي هو من يملك حساسية إنسانية وأخلاقية يقظة تجاه شريكته، وينمي لها شعوراً عاطفياً رفيعاً، عاشق متقد الذهن، ملمع وعبقري، بطرف خفيف من رمش حبيبته يحزر ما يجيش بداخلها، بميلان خصلة من شعرها يكنه تململها وماذا تريد، ويبادر لتلبية رغبتها حتى وهي ما زلت فكرة في ذهنها وقبل أن تصرح له بها. هذا هو العاشق الحقيقي، وعلى المرأة أن لا تفرط فيه، وأن تعض عليه بالنواجذ.

هل ثمة ارتباط بين الجمال وقلة النضج، أيعني هذا أن الرجل/المرأة الجميل/ة ليسوا ناضجين بالضرورة، وهل خفة الجمال دليل ثابت على النضج..؟ لا بالطبع، العلاقة بين النضج والجمال نسبية، غالباً ما ترتبط بالظروف البيئية التي ينشأ فيها الشخص ويتشرب ثقافتها، ولعوامل أخرى ذاتية تتعلق بمقدار ملكة الوعي والذكاء الفطرية لدى كل من الرجل والمرأة، وليست صفة ثابتة أو ضرورية.

إذ بالوسع مصافة نساء جميلات يتمتعن بنضج عاطفي واجتماعي ومعرفي عال، وبالمقدور العثور على رجل وسيم يملك وعي فريد بالشؤون العاطفية، ويحوز مقدار كبير من النضج، والعكس صحيح..

غير أن المرأة الفريدة، هي تلك التي يمكن أن تتوفر فيها الصفتان معاً ناضجة -وجميلة، وتلك ذروة ما ستصل إليه المرأة من سحر ودهشة.

وحده ذلك الرجل المحظوظ جداً، من تحبه امرأة تحوز هاتان الصفتان النادرتان: النضج، والجمال. وتلك ضربة حظ غاية في الندرة لا تتأتى إلا لقليلين جداً من الرجال، لأولئك الذين لديهم وساطة فاعلة مع السماء.