يافع في النقوش اليمنية القديمة
منصة حمير | مقال للدكتور: عوض الشعبي
تُعد منطقة يافع، الواقعة شمال شرق عدن، من المناطق ذات الامتداد التاريخي القديم والعريق، ومع ذلك، فإن دراسة تاريخ يافع قبل الإسلام، تواجه تحديات وعقاب كبيرة توقف في طريقنا ويصعب تجاوزها نتيجة لشح المصادر النقشية التي توثق تفاصيل يافع في أحداثها التاريخية القديمة.
وعند تتبع تاريخ يافع (دهس ...دهسم)، وذكرها في النقوش المسندية القديمة، نجد أن أقدم ذكر لها يعود إلى القرن السابع قبل الميلاد، إلى عهد المكرب السبئي كرب آيل وتر، الذي خاض حرباً عسكرية شرسة ضد مملكة أوسان، بعد أن ضمن تحالف مملكة حضرموت وقتبان.
وقد ذكر نقش كرب آيل وتر أو ما يسمى نقش النصر عند بعض المؤرخين المستحدثين من باب الافتخار والاعتزاز بهذا المكرب وما حقق من انتصار على أوسان، وكانت من ضمن المناطق التي تم السيطرة عليها من قبل القوات السبئية واخضعها بعد القضاء على النفوذ الاوساني (دهس..دهسم ) الذي اتفق معظم المؤرخين بأنها يافع، وقد ذكر المكرب السبئي نتائج حملته على يافع (دهس..دهسم) بالتفصيل ووضح عدد القتلى والأسرى والغنائم والسبايا الذي اخذهم إلى مارب حاضرة مملكة سبأ.
بعد القضاء على مملكة أوسان وسقوط مناطق نفوذها آلت يافع مثلها مثل بقية أراضي مملكة أوسان تابعة للملكة سبأ، ولكن بسبب وقوف مملكة قتبان وحضرموت إلى جانب سبأ، فقد تم مكافأة كل مملكة بحصتها من أراضي مملكة أوسان، وكانت يافع (دهس....دهسم) من نصيب ولد عم قتبان، ومنذ تلك الفترة أصبحت يافع دهس ضمن نفوذ مملكة قتبان (ولد عم) إله قتبان.
في عهد نفوذ مملكة قتبان تحولت يافع (دهس....دهسم) إلى مقولة، اذ كانت تحضى بمكانة تاريخية عند ملوك قتبان، حيث تم تشيد المدن والقصور فيها بالذات في (هديم قطنان ؛؛؛ شرف أوسان)، بالإضافة إلى المنشآت المائية مثل حفر الآبار والقنوات المائية والمواجل (كريف) والأراضي الزراعية، التي تم ذكرها وخلدتها النقوش التي تم العثور عليها في هديم ..قطنان..والتي ما زالت محفوظة في مخزن بني بكر بالحد.
ومع نهاية القرن الثاني قبل الميلاد كان بداية نهاية مملكة قتبان وأفول نجمها السياسي وتساقط مناطق نفوذها كأوراق الخريف أمام القوة الفتية التي بدأ نجمها يطلع على مسرح الأحداث السياسية قبيل الميلاد، ممثلة بمملكة حمير، إذ كان إنطلاق هذه المملكة يعود إلى منتصف القرن الأول قبل الميلاد(١٥٠ق م)، إذ يتفق معظم المؤرخين على أن الموطن الأصلي للملكة حمير هو حول (وادي بنا) بما فيها يافع، ومن هنا يجب أن نوضح من حيث الأمانة البحثية والتاريخية أن يافع لا تعد النواة الحقيقة للملكة حمير إنما هي واحدة من عدة مناطق قامت عليها مملكة حمر.
نستخلص مما سبق الآتي:
1ــ أن أقدم ذكر ليافع في التاريخ القديم ورد في نقش كرب آيل وتر مكرب سبأ والذي يعود إلى القرن السابع قبل الميلاد....ولولا هذا المكرب وحملته الشهيرة لم عرفنا إسم يافع في التاريخ القديم حتى يومنا هذا.... إذ أن جميع النقوش التي تم العثور عليها في مختلف مناطق اليمن والتي تعد بعشرات الآلاف لم يتم ذكر إسم يافع... أو دهس... أو دهسم، غير نقش مملكة سبأ سالف الذكر.
2ّ ــ وجدت عدة نقوش خارج إطار جغرافية يافع ورد فيها ذكر إسم يافع بعدة صياغات منها...
نقوش تم العثور عليها في أحد المواقع الأثرية غرب عنس في ذو رعين...ذمار تحت إسم: يفع...يفاع...يافع...هذه الأسماء بصياغة المختلف لا تدل على يافع الحالية إنما تدل على إسم هذه المنطقة التي تحمل نفس الإسم حتى يومنا هذا.
3ً ــ يرجع الفضل الكبير في معرفة تاريخ يافع ونسبه إلى لسان اليمن وعلامتها الأول الهمداني ــ أبو الحسن الهمداني(٢٨٠ ــ٣٣٤ هـ) الذي فصل نسب يافع وبطونه وسرد أسماء القبائل والآباء، بعد أن أخذ عن أبن الكلبي وصححها بصيغته التي عرفناها حالياً: يافع بن قاول بن زيد بن ناعته بن ذو رعين بن شرحبيل ......بن سبأ الأكبر.
4 ــ نقش تم العثور عليه في الجوف...فيه ذكر مباشر لملوك من يافع ... هذه النقش ليس له علاقة في يافع المعروفة حالياً التي تقع شمال شرق عدن.
5 ــ من باب الأمانة التاريخية علينا أن نعترف أنه لولا جهوده أصحاب الهضبة والصحراء سوى أكان بدافع الحرب أو السلم في توثيق وارشفة تاريخ يافع وبطونه وانسابه لم عرفنا لنا تاريخ قبل الإسلام، فلهم إكليل من التقدير.
